مسلسل "ناعورة الهواء" لا يليق بالتونسيين

12 يوليو 2014
+ الخط -

بعد صوم سنة كاملة عن إنتاج ما يمكن أن يشاهده التونسي على قناته، المسمّاة اصطلاحا الوطنيّة، أعلنت الأخيرة عن أكبر وأضخم إنتاج درامي في تاريخها. وحين تسمع ما قيل عن العمل في الومضات الدعائية، يخيّل إليك أنّه يضاهي الأعمال العربية الكبرى، بل ويمكنه منافستها. لكن، منذ الحلقة الأولى من مسلسل "ناعورة الهواء"، وللأمانة، ليس هذا المسلسل فقط، بل أغلب الأعمال التي تبثّ على القنوات الخاصّة أيضاً، تكتشف زيف ما تمّ ترويجه، فهذا العمل الدرامي وغيره ليس كبيراً ولا ضخماً في شيء، سوى في الأموال، التي صرفت عليه من المال العام.

كما تكتشف ضحالة في المضمون المقدّم للمشاهد، وانحداراً شديداً في المستوى الأخلاقي، إلى درجة جعلت وجوها عديدة معروفة، تطلق سهام نقدها تجاه هذه الإنتاجات والجدوى منها، إذ هل يعقل أن تكتفي التلفزة الوطنية طوال السنة، بـ"تسخين البايت"، ثمّ تتحفنا في شهر، من المفترض أن يكون الأكثر روحانية وقرباً من الله، بعمل أكثر من ثلثي مشاهده تدور حول الزنا والقتل.

أحد الممثلين في "ناعورة الهواء"، هدد بالإضراب، إن واصلت إدارة التلفزة الوطنية قصقصة بعض المشاهد من هذا العمل. له الحقّ في ذلك، طالما أنّه قبض ملايين آتية من ضرائب مفروضة على المساكين من هذا الشعب، الذي يسلب ماله، ثمّ يجبر على مشاهدة ما ينتج من قبح. والأقبح من ذلك أنّه دعا العائلات التونسية غير الراغبة في مشاهدة مسلسله، إلى النوم باكّراً، أو إغلاق التلفاز، فهل نسي أنّ القناة الوطنية عمومية، وتمويلها يأتي، أساساً، من جيوب الفقراء الذين يخاطبهم بهذا المستوى الهابط؟

من سنة إلى أخرى، تثبت نخبة الإنتاج الدرامي التونسي فشلها في إنتاج ثقافة سليمة، تلائم الذوق العام، أو يمكنها أن تنافس عربيّاً أو حتى مغاربياً، بل إنّ الفجوة الحاصلة بين النخبة وعامة الناس تزداد اتساعاً، مع الإصرار المتعمّد من منتجي الثقافة على النأي بهذه الثقافة عن عادات هذا الشعب وتقاليده وهويته.

تحاول هذه النخب، جاهدة، فرض ما تؤمن به من معتقدات فكرية على هذا الشعب، مستعينة بإعلام لا همّ له سوى كسب المال على حساب الأخلاق. حتما، المال ليس كافياً لإنتاج ثقافي يحظى بالاحترام، بل يجب توافر عوامل أخرى، أهمّها معرفة الحاجة الثقافية لهذا الشعب، فالمثقّف ينتج أسمى وأرقى ما يحتاجه الإنسان من غذاء للروح. لذلك، عليه أن يكون أحرص من جميع بائعي السلع ومروجيها، فلا يجب عليه أن ينتج أيّ شيء، ثمّ يطالب النّاس باستهلاكه غصباً.

على المثقّف أن يكون أكثر الناس تواضعاً، وغوصاً في أغوار المجتمع، باحثاً عن مشكلاته الحقيقية، والتي عليه أن يسعى إلى معالجتها بطريقة فنيّة، أو، على الأقلّ، طرحها إلى العلن وإخراجها من دائرة الصمت، فالمثقّف هو رئة مجتمعه، إذا أحسن الإنتاج، سينعم المجتمع بثقافة نظيفة، وإن لم يحسن، كحالنا في تونس، استنشق المجتمع كلّ ما هو قبيح ورديء. 

avata
avata
الناصر الرقيق (تونس)
الناصر الرقيق (تونس)