مراجعات الإخوان ضرورة لمصر

08 ديسمبر 2015
+ الخط -
اختلف ما شئت، أو اتفق مع جماعة الإخوان المسلمين، فكراً ومنهجاً أو سلوكاً وممارسةً أو كليهما، لكنّ الحقيقة أنّ الجماعة واقعٌ موجود في عشرات الدول العربية والإسلامية والأجنبية، ومن أكبر التنظيمات غير الحكومية على مستوى العالم (تقول الجماعة إنها موجودة تنظيماً في 86 دولة).
يتخذ نشاط الجماعة صوراً متعددة، حسب المجال المتاح لها في كل دولة، فحين تشارك في الحكم في دول قليلة، تحظر دول أخرى نشاطها، أو حتى تحاربه، وتسمح دول لها بالعمل داخل الإطار القانوني للدولة. وعبر ثمانين عاماً، تعرضت الجماعة لحرب ضروس في عدة بلدان وعدة أزمنة. لكن، من الواضح أنها باقية وتتمدد، وأنّ الحصار والمطاردة لا تقضي على الفكر، وأن التنظيمات العقائدية لا تفنى بسهولة. ويمكنك أن تطبق القاعدة نفسها على محنة "الإخوان" الكبرى في مصر حالياً، فمهما بدا وضعها حرجاً، من الهزلي أن يعتقد بعضهم أنها انتهت إلى الأبد.
ولأنها طرف سياسي أساسي وفاعل في دول عربية وإسلامية عديدة، فإن نضج الجماعة وحكمتها مطلب حيوي، لصالح هذه المجتمعات والشعوب نفسها، فللمنظمات الأهلية والأحزاب السياسية النشطة دورٌ جوهري في خدمة أي مجتمع ودعمه، إلى جانب الحكومات الرسمية، فما بالك بالوضع في دول نامية، تعجز حكوماتها عن الرقي بها عبر عشرات السنين، لأنها تفتقد النزاهة والشفافية الكافية للقيام بهذا الدور، أو لأنها تفتقد النية لهذا أساساً في ظل انبطاحها لسياسات دوليةٍ، تحدد لها أدوارها بدقة!
نعم وللأسف! يبدو أنه لا أمل في الأنظمة الرسمية الحالية لأغلب الدول العربية في الانتقال السياسي والاقتصادي والاجتماعي المطلوب لشعوبنا، وتؤكد تجارب ستين عاماً هذه الحقيقة، ويبدو، بوجود العقول نفسها، أن الوصول إلى المريخ أقرب من الانتقال إلى نماذج مثل تركيا وماليزيا فضلاً عن أوروبا والغرب.
لا أمل للشعوب العربية في الأنظمة العسكرية المتصلبة، أو العقول التي نشأت في حضانات الانبطاح للمصالح الأميركية والصهيونية في المنطقة. وعندما يجول بصرك في الشعوب باحثاً عن أي بارقة أمل لعقول مختلفة، متحررة من الولاء للمصالح الغربية، ستضطر للتفكير في جماعة الإخوان بديلاً محتملاً ونابعاً من المجتمع نفسه. ومهما كان فيهم من قصور وأخطاء، فهم بديل يمكنك أن تبني عليه. وفي الحالة المصرية مثلاً، فإن العسكر والإخوان هما الثنائية السياسية الوحيدة الموجودة بالفعل في مصر، وهما أكبر قوتين منظمتين في مصر منذ 1952.
إذاً فاحترافية هذه الجماعة ومرونتها واستيعابها الآخر وحكمتها هي آمال عزيزة لكل مخلص، يريد خيراً لوطنه، فتحلي الجماعة بها هو الأمل في حدوث تغيير في بلادنا. ومهما ابتعدت الجماعة كثيراً أو قليلاً في بعض المواقف، أو الأزمنة، عن هذا الدور، فلا مفر من إصلاح القاطرة الوحيدة المتاحة وعقد الآمال عليها. لا ينفي هذا وجود آلاف الكوادر الفنية من المخلصين في مصر وغيرها، لكنهم في حاجة لإطار وطني شامل، يجمعهم تحت مظلة منظمة كبرى، خصوصاً في ظل فشل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وهذا هو الدور المنوط بجماعة الإخوان المسلمين، ليس من أجلهم هم فحسب، لكن من أجل أوطانهم نفسها.
ولأننا نتحدث عن فصيل وصل إلى الحكم في أكبر دولة عربية، هي مصر، لكنه لم يحقق النموذج المبهر المتوقع حتى من المتعاطفين معه، فإن الأمر يحتاج إلى مراجعة إلى أسباب ذلك، وجوانب الخلل في أداء الجماعة التي تدافع عن تجربتها المصرية بأنها لم تعمل في ظروف طبيعية، وأن الدولة العميقة تآمرت ضدها بأذرعها في الإعلام والمخابرات والقضاء ومؤسسات الدولة، وكذلك قوى سياسية متواطئة، وفلول ناقمون على ثورة يناير، ودعمت قوى إقليمية المؤامرة والانقلاب بقوة، وتدافع الجماعة عن تجربتها في حكم مصر بأنها كانت أول ممارسة سياسية حقيقية، في إدارة الدولة، بعد أن كانت إدارة مصر حكراً على الحزب الوطني قبل ثورة يناير.
سالت الأقلام في مئات التحليلات والمقالات عن أخطاء "الإخوان" الإدارية والسياسية بعد ثورة يناير، ما بين المنصف والمتحامل والمتجني، وكان نتاج ذلك عشرات التوجيهات والنصائح والملحوظات التي قد توجد فعلاً في الجماعة بنسبٍ كبيرةٍ أو صغيرة، فهل تنهض الجماعة بدورها التاريخي الذي يؤهلها له حجمها وتاريخها وانتشارها، مراجعات حقيقية، تستمد مصادرها من أبنائها ومحبيها وخصومها؟
avata
avata
أحمد سليمان (مصر)
أحمد سليمان (مصر)