حين تهجرني الكتابة*

17 فبراير 2015
+ الخط -
وماذا أريد أن أفعل الآن؟
لقد نمتُ بما فيه الكفاية، أستيقظ ليلًا والصمت يحيط بي من كلّ ناحية، الطائرات لا تغير ليلًا، الصواريخ والمدفعية الثقيلة أيضًا يخفت صوتها إلى الحدّ الأدنى، لا تتوقف لكنّها تترك مسافة للصمت. منذ أيام لم أغادر منزلي، أقنع نفسي بأنه من الأفضل الجلوس في السرير واستعادة طقوس قديمة ما زلت مولعًا بها، ساعة الصباح والصمت والقهوة والتفكير في الكتابة، إنه ترفٌ قديمٌ مارسته لأكثر من عشرين سنة، لكنه توقّف منذ ثلاث سنوات. يعود مرّةً أخرى إليّ في هذا الليل، أصنع قهوتي وأعود إلى سريري، لكن، بدل التفكير في شخصيات روايتي الجديدة، تتسلّل إلى مخيّلتي أميركا وروسيا وقلق بان كي مون، وإيران والسعودية، ودول الخليج، وفلسطين وإسرائيل. أفكّر في الصين ومظاهرات هونغ كونغ، بأصدقائي في تلك المدينة المتوحشة الوحيدة التي صدمتني في أول لحظات وصولي إليها مساء أحد أيام شهر تشرين الأول عام 2010، لم تصدمني مدينة من قبل، لكن هونغ كونغ فعلتها. وبعد أيام في تلك المدينة، تعرّفت إلى شباب وصبايا يحلمون بالثورة أيضًا، لا يريدون العودة إلى الصين، يريدون لمستعمرهم البقاء، وما تبقّى من إنكليز لا يتخلّون عن عجرفتهم. أتناسى كلّ شيء هناك، وأعود للتفكير بأصدقائي في الوعر وحمص القديمة والرقّة ودير الزور. مأساتهم بدأت من زمنٍ طويلٍ، لكن اليوم ستعود الحكاية وتتكرّر، النظام لن يتركها من دون مراكمة أحقاد جديدة، يجب قصفها وتدميرها. تفكّر في أصدقائك المهجرين من كوباني، تقرأ ما يكتبه أصدقاؤك الذين فاخروا بنضالهم السلمي، يمتدحون المقاتلات الجميلات، لا تستطيع لملمة الصورة كاملة، إلا بأن هؤلاء الفتيات يجب أن يمتن، ليهدأ بال كلّ المولعين بالدم، لم يعد لأحد أية قيمة ما دام ليس شهيداً، يلبّي رغبة من يكتبون بنهمٍ عن الدم.
تتمدّد أحلام يقظتي، وأقول إنها ليلة رائعة ومناسبة للكتابة. شتاء دمشق أحبّه أكثر من شتاء أية مدينة أخرى، وأعتقد بأن كلّ شخص يحبّ شتاء مدينته. الشتاء فصل الحنين إلى الطفولة، إلى القبلة الأولى وكلّ ما هو بريء، أعود وأصنع قهوتي بكميات كبيرة، لا أريد العودة إلى المطبخ. بداية الشتاء بالنسبة لي كبداية الحبّ، إنه فصلي المفضل ولا أخفي انحيازي له، أجاهر بكراهيتي لرائحة مقلي الباذنجان في الصيف، وجموع البشر الذين يخرجون إلى الشوارع من دون هدف. أستعدّ للكتابة وأفكّر بأنه حان الوقت لكسر العطالة التي استمرّت شهورًا طويلة. أتذكّر بأني كتبت على الرصيف وفي مقهى كراج الانطلاق في حلب، وسط زعيق السائقين والمعاونين، هناك كانت القهوة طيبة ورخيصة والطاولة قويّة، وكان هذا يكفيني. الآن لدي طاولة ارستقراطية وقهوة، وأنا أفكّر بأنني سأنهض لأبدأ عملي، تنقطع الكهرباء، أسترخي وأعود إلى التفكير، أكتشف شيئاً لا أعرفه؛ الشواحن الموضوعة في الشحن تضيء من تلقاء نفسها حين تنقطع الكهرباء، تعجبني الفكرة والصناعة الصينية الرخيصة، أقول غدًا سأشتري عشر شواحن وأوزّعها في أرجاء المنزل. يصيبني الهلع لعدم استطاعتي التفكير في الكتابة، وهجر التفكير بأميركا وروسيا وإيران والسعودية والصراع السني – الشيعي، وملوك الطوائف وانحطاط اليسار إلى الحضيض، وشعبية حزب الله الذي تحوّل إلى حزب طائفي بائس، يمتدح الحوثيين الذين يمنعون صديقي جمال في اليمن من النزول ليلًا للبحث عن حليب لقططه الخمسة، ولا يبقى له إلا التعبير عن كراهيته لهاني شاكر، لكن لا يهم لن تموت قطط جمال. أسترخي وأعود مرّة أخرى إلى التفكير بأصدقائي الذين أقرأ كتاباتهم وأشعر بالأسى، التاريخ يعيد نفسه والمستقبل يبشّر بمزيدٍ من الدماء، لكن كلّ من يكتب لا يقاتل في النهاية. والمعارضة السورية جميعها بدون استثناء تصطف وراء لاعبين إقليمين لا يحبّون السوريين. الكلام لا يفيد، قد يكون الصمت الآن من ذهب، لا أحد يريد الاستماع إلى أي رأي معارضٍ لرأيه، خاصّة إذا كان من أصحاب البطولات الوهمية. أخترع مونولوجات طويلة، أناقش فيها أصدقاء بعيدين، وأكتب المزيد من الأوراق وأعود إلى حماسي. لكن كلّ هذا النشاط، جزءٌ من أحلام يقظة، إنها الحالة الأكثر سوءاً؛ العيش والكتابة في أحلام اليقظة، أتذكّر بأنه لم يعد في العمر وقتٌ طويلٌ، وحتمًا لن أقضيه في الحديث مع من لا يريد الاستماع. أقنع نفسي بأن الكتب الأربعة التي تنتظر العمل عليها والمسلسلات الأربعة وفيلم السينما الذي قمتُ بكتابة كامل مسوّدته العام الماضي، ما زال ينتظر العمل. أتذكّر بأني أكره رقم الأربعة، لذلك أضيف كتابًا جديدًا وأحذف مسلسلًا، يصبح لدي خمسة كتب وثلاثة مسلسلات وفيلم. هذه أرقام جيدة، وبحسابٍ بسيطٍ، أحتاج إلى عشرين سنة من الكتابة، لأنهي مشاريعي، إذن لِمَ الكسل، أنهض، ستأتي الكهرباء بعد ساعتين أو حتّى لو لم تأت، لا يهم الفجر قريب ولم يعد يهمني بأن الطائرات أيضًا تأتي مع الفجر، يجب أن أكون مستعدًا للجلوس إلى الطاولة. أتذكّر بأنه لدي الكثير من القهوة. أحاول نسيان كلّ تفاصيل الشتاء الماضي الذي قضيناه جميعًا تحت البطانيّات، وتبادلنا وصفات التدفئة بمرحٍ نُحسد عليه، أمتدح مزايا هذا الشتاء الذي لم يقبل بعد، وأقول على الأقلّ في هذا الشتاء لا كلاب متشرّدة في الشوارع. أسأل نفسي فجأة ماذا حلّ بالكلاب التي انتشرت العام الماضي بأعداد هائلة؟ يومها حذّرني صديقي الطبيب من الاقتراب منها، أخبرني متيقّنًا بأن هذه الكلاب خطيرة لأنها نهشتْ الكثير من الجثث المتروكة في العراء.
لا شيء في الخارج، سوى الليل وعناصر المخابرات على الحواجز. أغلب العناصر جدّد، منذ زمن لم أر أحدًا من العناصر القديمة الذين أصبحوا يعرفونني وأعرفهم وأتبادل معهم الصمت المريب. أخاف السؤال، كلّ من غاب وسألت عنه، إمّا مات أو اعتُقل أو هاجر. لا أحد اعتكف في منزله ولم يعد يريد الخروج مثلي، وأي امتياز أن يكون لدي منزلٌ لم يدمّر وأستطيع الاعتكاف فيه.
الكتابة هي الفعل الوحيد المجدي بالنسبة لي، قاتلت العالم لأصبح كاتبًا، ولدي عشرة آلاف قصة مرمية على الرصيف، أمامي، خلفي، القصص في جيبي، لذا كلّ ما في يرشح دمًا من دون أن أدري. نعم أرشح دمًا ومن دون أن أدري، يسيل الدم مني إلى سريري، يغرق غرفة النوم، يسير في الممرّ الواصل إلى غرفة مكتبي، ومنه يطفح إلى الصالون والمطبخ، يُغرق المكان. لا تعجبني الصورة، أحاول تذكّر جدول الضرب كاملًا لأتأكّد بأن قواي العقلية ما زالت قويّة، أنجح في ذلك رغم أنني توقّفت للحظة عند 7 ضرب 8 لكنني في النهاية تذكّرت الجواب الصحيح. أتذكّر معادلة من الدرجة الثانية وأحاول حلّها من جديد، كنت تلميذًا جيدًا في الرياضيات، وأساتذتي كانوا يمتدحون ذكائي. أتذكّر المعادلة وأكتبها في الهواء بأصبعي، أحبّ هذا المرح، أركّز كي لا أفقد السبورة الوهمية. أعود للتفكير؛ يجب كتابة القصص التي ترشح دمًا كي تموت بالنسبة لي، كلّ ما أكتبه يموت بالنسبة لي، إنها الطريقة الوحيدة للاستمرار في العيش.
نعم سأفعل ولن تمرّ هذه الليلة من دون العودة إلى الكتابة. لم يعد يرهبني شيء، أنتظر الكهرباء بكلّ جدية وأتابع شرب قهوتي ونقاشي مع أحلام يقظتي حول إيران والسعودية، وأميركا والدور الإقليمي التركي والعراق المسكين المحطّم، والنظام الذي ينتظر أيضًا ويضرب أخماسًا بأسداس عن دوره المقبل، ينتظر الرضى من أسياده الذين يبحثون له عن دورٍ وظيفي جديد. بكلّ جدية أقول نعم سأنهض للكتابة، لكن يجب أن أفكّر من أين سأبدأ، يجب أن أتصل بمن تبقّى من أصدقائي في حلب، الهواتف مقطوعة منذ أيام، إنه وقت غير جيد للاطمئنان على صديق، لكن أصدقائي اعتادوا علي عبر سنوات طويلة ولم يعودوا لتأنيبي. وأنا في محاولاتي للاتصال، أتذكّر بأنني أكره موظفات الـ "إن جي أوز" الأنيقات، أكره الحرب لأنها صنعت مني رجلاً جبانًا، أحبّ الثورة التي منحت ملايين الرجال والنساء الشجاعة. أكره الذين لعبوا بنا وتاجروا بدمنا، أكره الممانعة الكاذبة، والمقاومة الكاذبة، أحبّ البسطاء الذين يموتون ويدفنون من دون مراسم في قبور مجهولة. ولكنني أفكّر في هذه اللحظة بفصد دمي، والنهوض للكتابة، لا بأس بحمامٍ ساخن، قد يمنحني طاقة جديدة، ويعيدني لأيام الكتابة القديمة حين كان أصدقائي يفتقدونني نهارًا، وحين يرونني ليلًا، يعتقدون بأنني لست كاتبًا جادًا، بل شريد بارات متهتّك، يغريني العيش في الليل ومفاجأته، كم قصّة حبّ عظيمة صادفتها في الليل أثناء تجوالي وعشتها بكلّ جوارحي، الآن لا أحد هنا، بقي أصدقاء قليلون جدًا، على رأسهم صديقي أسامة ورولا وصفاء ويم، وفادي ومجد ونغم وإبراهيم وبولس ولانا وثائر ووعد، ونبيل قصبجي ومجموعة أخرى أصادفهم في الطريق ونتبادل القبلات كما لو كنا نرى بعضنا بعضًا للمرّة الأولى بعد سنوات طويلة. لن أعدّ من بقي، إلا إنها لعبة حلوة للاحتماء بهم، وأقول بأن ما تبقّى في سورية عشرون مليون سوري، وهذا رقم جيد لا تعرفه موظفات الـ "إن جي أوز".
اليوم اطمأنت نفسي بأن أسامة أتمّ يومه الأوّل في التدريس، وصل إلى أمّه حاملاً أقراص الفلافل والكتب التي تحبّ قراءتها. أمّ أسامة منذ ثلاث سنوات تقرأ الكتب بانتظار نهاية الحرب، إنه فعل مقاومة وانتظار رهيب، أيضًا هي وحيدة من دون صديقاتها وأصدقائها، أغلبهم ماتوا أو رحلوا. لم يبقَ أحدٌ سوى أسامة الذي يخاف أن يتوقّف عن العمل في المسرح. أعتقد في قرارة نفسي إن توقّف عن العمل في المسرح إعدادًا وإخراجًا وترجمة وقراءة وتدريسًا، سيموت فورًا. أطمئن منه كلّ يوم عن تفاصيل مشاريعه التي لا تنتهي، أشعر برضى بأن المسرح لن ينتهي وبأنه لن يتوقّف، يخبرني كلّ يوم ببرنامجه لسنة قادمة، أضحك في قرارة نفسي، وأفكّر بأن كلّ شيء على ما يرام. في الطريق إلى المنزل، كلّ يوم تقريبّا أنتظره على ناصية محل الفلافل، يأتيني بقرصين ونكمل حديثنا من حيث توقّف، إنه حديثٌ واحدٌ لكننا قادرين على سرده كل يوم بمئة أسلوب، إنه تمرينه على الإخراج وتمريني على الكتابة، التي لم تعد تأتي رغم أن الفجر قد غمر كلّ المدينة، بانتظار القصفِ اليومي الذي لم يتوقّف منذ زمن بعيد لم أعد أستطع التذكّر بالضبط متى حدث أوّل مرّة.

*مقاطع من كتاب لم يكتمل بعد "رجل وحيد يبحث عن مظاهرة – يوميات مدينة فاشية"
المساهمون