أعراض الاستبداد في عهد ترامب: عسكرة وتسييس عيد الاستقلال الأميركي

04 يوليو 2019
سيتم نشر دبابات ومركبات مقاتلة خلال الاحتفال (مارك ويلسون/Getty)
+ الخط -


كالطاغية المأسور بمتلازمة الأشياء اللامعة، سيقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اليوم الخميس، أمام نصب لينكولن التذكاري في قلب واشنطن، في المكان نفسه الذي ألقى فيه القس مارتن لوثر كينغ، في العام 1963، خطابه الشهير "لديّ حلم". سيستعرض الرئيس أسلحة فتاكة في السماء وعلى الأرض، ليعلن أن "أميركا أولاً" تبقى على حساب الآخرين، وسيتربع على كرسيه محاطاً بحاشيته داخل طوق أمني، هو الذي يُحكم قبضته على كل مفاصل الحكم ويقصي معارضيه بالتهديد ويضع المهاجرين وأطفالهم في أقفاص على الحدود. سيقول بالفم الملآن: "أنا وحدي أستطيع إصلاح النظام"، وإن استقلال الأمة هو احتفال بكوني رئيساً عليها.

ترامب أول رئيس أميركي يسعى بطريقة لا لبس فيها لعسكرة وتسييس مناسبة كانت وطنية وجامعة، بحيث ابتعد الرؤساء تاريخياً عن إقامة مهرجانات للاحتفال بذكرى الاستقلال السنوية، في 4 يوليو/تموز. لكن ترامب أرادها هذا العام مناسبة لاستعراض القوة الأميركية، وجزءاً لا يتجزأ من حملته الرئاسية. قبله الرئيس هاري ترومان تحدث من نصب واشنطن التذكاري في العام 1951 للاحتفال بذكرى الاستقلال الـ175، وتحدث حينها عن آخر تطورات الحرب الكورية. كما ألقى الرئيس رونالد ريغان خطاباً في 3 يوليو 1987 من نصب جيفرسون التذكاري لإطلاق مبادرة اقتصادية، لكنه بقي بعيداً عن الدخول على خط ذكرى الاستقلال. لكن إذا كانت هناك سابقة، فهي تنظيم فريق ريتشارد نيكسون حفل الاستقلال في العام 1970 حيث يوجَد نصب لينكولن التذكاري، في وقت كانت الولايات المتحدة مسكونة بالاعتراضات على حرب فيتنام. ترامب قرر تكرار نفس هذا السيناريو، مع فارق أساسي أن نيكسون لم يحضر الحفل، بل اكتفى بتسجيل رسالة عبر الفيديو. سيدخل ترامب التاريخ على أنه أول من أدخل البروباغاندا الرئاسية على حفل الاستقلال في واشنطن.

تحت عنوان "تحية لأميركا"، يريد ترامب خلال الاحتفالات ليس فقط زيادة وقت وحجم الألعاب النارية، بل إن الشرطة العسكرية نشرت دبابات "أبرامز" الجديدة (وزنها 60 طناً وتم شحنها من ولاية جورجيا) ومركبات "شيرمان" المقاتلة على طول الناشونال مول (تكلفة نقل الدبابات 870 ألف دولار)، كما تحليق طلعات جوية للطائرة الرئاسية "اير فورس وان" (تكلفة الساعة 140 ألف دولار) ولسرب طائرات "أف 35" (تكلفة الساعة 35 ألف دولار) وطوافات تابعة للمارينز. مجلس تحرير صحيفة "واشنطن بوست" وصف الاستعراض العسكري بأنه "يتماشى مع جمهورية الموز أكثر مما يتماشى مع أقدم ديمقراطية في العالم". البيت الأبيض لم يعط وزارة الدفاع بعد الإذن لنشر مجمل تكلفة هذه العروض على البنتاغون. كما سيتم تعطيل مطار ريغان المجاور لنحو 75 دقيقة خلال هذه الاستعراضات الجوية، وسيتم إغلاق الطرقات المؤدية إلى نصب لينكولن، بالإضافة إلى إرهاق المؤسسات الحكومية في تنظيم حفل لم تعتد على التعاطي معه مؤسساتياً وأمنياً ومالياً. هناك حتى تساؤلات ما إذا كان دخول متمولي الحزب الجمهوري على خط التنظيم، أو استخدام مؤسسات الحكومة الفيدرالية لغايات حزبية، خطوتَين منافيتَين للقانون.


لكن الرئيس مصمم ومستثمر شخصياً في تنظيم الاحتفال، ويعقد اجتماعات دورية في هذا الخصوص، بحسب الإعلام الأميركي، وهي على الأرجح أكثر من الاجتماعات التي خصصها لإيران. هذا الرئيس الذي ينتقل من حملة إعلامية بهلوانية إلى أخرى، وبعد استعراض لقائه الأخير مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، في المنطقة المنزوعة السلاح على حدود كوريا الجنوبية، قرر هذا العام اختصار عيد الاستقلال بنفسه بما يشبه رموز الاستبداد الذين يستعرضون لعبهم الحربية وثرواتهم في المناسبات الوطنية، للتغطية على إخفاقاتهم أو للترويج لغاياتهم السياسية. وبدل فتح باب الدعوات، سيخصص البيت الأبيض بطاقات خاصة للشخصيات المقربة منه والأصدقاء والعائلة والمتمولين النافذين، بحيث سيكون محاطاً بالمقربين في المسافة بين خطوات النصب التذكاري والبركة الشهيرة.

يسعى ترامب إلى إعادة تعريف عيد الاستقلال ضمن سياق "أميركا أولاً"، في محاولة لإنتاج قومية أميركية قد تزيد عزلة أميركا عن العالم، وبالتالي يرقص على حافة هذا الخط الرفيع بين الوطنية والقومية. لكن للمفارقة، ونظراً لأن إدارة ترامب فرضت 25 في المائة رسوماً على بكين، فإن هذا يعني زيادة تكلفة الألعاب النارية (750000 دولار). هذه المفرقعات التي سترسم العلم الأميركي في سماء واشنطن ستكون برعاية الصين، وسط حرب تجارية معها، لكنها ستكون تقدمة مجانية من الشركات الأميركية المستوردة.

منذ حضوره احتفالات العيد الوطني الفرنسي في العام 2017، وترامب مهووس بفكرة استنساخ هذا النموذج أميركياً، وهذا ما سيحصل عليه هذا العام، غداة فشله العام الماضي بالقيام باستعراض عسكري للمحاربين القدامى بعدما تسربت للإعلام تكلفته الباهظة (92 مليون دولار)، والتي ستكون من أموال دافعي الضرائب الأميركيين. يشير استطلاع لجامعة "مونموث" إلى أن 33 في المائة من الأميركيين فقط سيتابعون حفل الاستقلال على الهواء مباشرة، ما يعني أنه يستهدف قاعدته الانتخابية أكثر من أي شيء آخر لتحشيدها في سياق الحملة الرئاسية. هذا المهرجان الحزبي اليوم يعزز تماهي ترامب مع نظرية "الرجل القوي" وارتياحه في التعامل الدولي مع من يحكمون بالطغيان، كأنه يتمنى سراً أن يكون مثلهم لو سمحت له المؤسسات والتقاليد الأميركية.

المساهمون