المقاومة ربحت والانتصار مهمّتنا جميعاً

13 نوفمبر 2023
+ الخط -

دخلت الحرب الصهيونية على غزّة شهرها الثاني، ولا أفق يلوح يُخبرنا بأنها ستنتهي قريبا، فحتى الهدن "الإنسانية" إن حدثت لن تكون سوى التقاط أنفاس وتلطيف للضغط الدولي الذي تراكمه الشعوب قاطبة، ولكن الحرب كلما طالت تضاعف وزرها على الكيان الصهيوني وحلفائه. كانت هذه القوى جميعا تمنّي النفس بأن تكون الحرب خاطفة وساحقة للمقاومة الفلسطينية، أيام معدودة أو أسابيع، وينتهي كل شيء. كان من أهداف هذه الحرب سحق المقاومة وتهجير الفلسطينيين، وشكل حكم غزّة يتراوح ما بين الحكم الأمني، شراكة مع طرف عربي قد يكون مصر أو السلطة الفلسطينية أو إعادة احتلال حتى ترتيب وضع دائم لا يمكن فيه أن تعود المقاومة أصلا. كانت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين في الأيام الأولى تصرّ على أنها عازمة على القضاء على المقاومة وقيادات حركة حماس تحديدا، سواء القيادات السياسة أو العسكرية، غير أنّ ما جرى لم يكن في الحسبان.
العوامل التي أربكت كل تلك التوقعات التي كان يُنظر إليها أنها نتائج حتمية، ثلاثة: طول نفس المقاومة وقدرتها على المواجهة والصبر في ظل موازين قوى مختلّة، فقدرة المقاومة على التحمّل، رغم كل الدمار الحاصل والخسائر البشرية، سواء في مقاتليها أو في صفوف الحاضنة الشعبية التي آوت المقاومة جعلت الحرب تطول، وهو العامل الثاني الذي أدّى إلى نتائج غير متوقعة، لعل أهمها تحوّلات الرأي العام الدولي الذي أصبح أكثر تعاطفا، بما فيها داخل الدول التي ساندت في الأيام الأولى الحرب التي شنّتها إسرائيل على غزّة، ورأت فيها دفاعا عن النفس وردة فعل طبيعية على "إرهاب"حماس. بدأت الأمور، بعد ثلاثة أسابيع، تتغيّر تدريجيا، لتصل إلى تعاطف شعبي واسع يجري في هذه البلدان: أميركا، فرنسا، ألمانيا، بلجيكا فضلا عن بدايات اختلافات داخل مواقف القرار في هذه البلدان بالذات: تباين يشقّ وزارتي الدفاع والخارجية، ورئاسات الجمهورية والمؤسّسات التشريعية، فضلا عن لوبيات القرار وصانعيه. خصوصا في ظل ضغوط الرأي العام الداخلي والمجازر الشنيعة التي ارتكبتها إسرائيل في حق الفلسطينيين وموظفي المنظّمات الدولية، وحتى مصالح تلك الدول وبعثاتها: صحافيون، مراكز ثقافية، مدارس، ... إلخ.
والمهم في كل ما جرى وقلب حسابات العدو رفض خطط التهجير، بما فيها الصادر عن أنظمة عربية ظلت مواقفها رخوة. كان العدو الصهيوني يعتقد أن ضغوطه وضغوط حلفائه يمكن أن تؤدّيا إلى قبول بتهجيرٍ مؤقتٍ لبعض الأسابيع، حتى تنفرد بالمقاومة، وتعيد بناء ترتيباتها في غزّة. رغم التهجير القسري الذي دفعت به إسرائيل، ظلّ سكّان غزّة في أرضهم، سواء تحرّكوا من الشمال إلى الجنوب، أو حيثما دفعتهم الظروف، ظلّت أقدامهم تتحرّك على أرضهم.

لا نستطيع إلا أن نعتبر ما حققته المقاومة، خصوصا في ظل حصار دام نحو عقدين، وفي ظل الخذلان العربي، ربحا لمعركة غير متكافئة

أربكت هذه العوامل الكيان الصهيوني، وجعلته يحقق بعض أهدافه، لكنه ظل يدفع ثمنا باهظا لكل هذه المكاسب الصغيرة: فقدان تعاطف الرأي العام الدولي، كما أشار إلى ذلك الأمين العام للأمم المتحدة. الحقيقة أن هذا الرأي العام غدا مستنكرا كل هذه العنجهية، كما أن الرأي العام الإسرائيلي بدأ يشهد تحوّلات عميقة، خصوصا في ظل الخسائر المتتالية في صفوف جنود الكيان وأزمة الرهائن. والأرجح أن المستقبل السياسي لرئيس حكومة الاحتلال قد أصبح على كفّ عفريت.
حينما نستحضر كل هذه العوامل، لا نستطيع إلا أن نعتبر ما حققته المقاومة، خصوصا في ظل حصار دام نحو عقدين، وفي ظل الخذلان العربي، ربحا لمعركة غير متكافئة. لا يعني ذلك مجرّد رفع لمعنويات المقاومين، أو لهذا الشعب الذي فقد أبسط مقوّمات الحياة البشرية: الماء والطعام والدواء. ولا أيضا بسبب فارق القوة وموازينها بين "المتحاربين" فحسب، بل أيضا لسبب اعتباري، سيظلّ حاضرا عقودا في أذهان راسمي العقيدة المدنية والعسكرية التي صاغت غطرسة الكيان الصهيوني. سيظل هذا الفلسطيني، أينما كان، خصوصا إذا كانت قدماه على أرضه، شوكة تنغّص عيش إسرائيل، ما دامت الحلول التي اجترحتها القوى الكبيرة ظالمة.
ربحت المقاومة معركة طوفان الأقصى، حين قدّمت درسا بليغا مفاده بأن القوة هي التي تحدّد الحقّ، وأن ضمير العالم المتحضّر مهتزّ ومنافق. لم يحصل هذا منذ النكبة تقريبا، حتى الحرب على العراق لم تنجح في تقديم هذا الدرس، لأسباب عديدة ليس واردا مجال ذكرها هنا.
الحروب الكبرى معارك طويلة وسلسلة من ردات الأفعال والتقلبات. ربحت المقاومة المعركة، أما النصر فإنه واجبنا نحن: عرب ومسلمون وأحرار العالم كله الذي وقف على ظالمٍ يتبجّح أمام الخلق كله. ربح الفلسطينيون، وتحديدا المقاومة، أجيالا كاملة من شباب العالم، ستظل عقودا عديدة تتعاطف معهم: ثمّة رموز بليغة، قد تكون لبناتٍ لسجلٍّ رمزي سخي، لن يبخل على إسناد المقاومة واعتبارها أرقى من كل الشرعيات الأممية المتهاوية.

7962F3C9-47B8-46B1-8426-3C863C4118CC
المهدي مبروك

وزير الثقافة التونسي عامي 2012 و2013. مواليد 1963. أستاذ جامعي، ألف كتباً، ونشر مقالات بالعربية والفرنسية. ناشط سياسي ونقابي وحقوقي. كان عضواً في الهيئة العليا لتحقيق أَهداف الثورة والعدالة الانتقالية والانتقال الديموقراطي.