روبرت مالي... ظل أوباما في الشرق الأوسط وعينه السوريّة

27 ابريل 2016
حل القضية الفلسطينية نقطة مركزية بالنسبة لمالي (جيمي روز/Getty)
+ الخط -
لا أحد يتماهى فكرياً مع الرئيس الأميركي باراك أوباما في الدائرة الصغرى المؤثرة في قضايا الشرق الأوسط في الإدارة الأميركية أكثر من البراغماتي المستعد للتحاور مع الأعداء، الأكاديمي من خارج النادي التقليدي لمراكز الأبحاث في واشنطن، مستشار الرئيس الأميركي، روبرت مالي. أين تكون بوصلة أوباما يكون روبرت مالي.

بعدما ركّز معظم العام الماضي على الاتفاق النووي مع إيران، يتولى مالي، حالياً، منصب أحد كبار مستشاري الرئيس لشؤون تنسيق الحرب على تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في مهمة تُسمى داخل واشنطن "قيصر داعش" بعد شكاوى عدة أنّ ليس هناك هيكلية واضحة داخل إدارة أوباما لاتخاذ القرار في هذا الملف. كما يناقش مالي، حالياً مع نظيره الروسي المبعوث الخاص للرئيس الروسي بشأن سورية، ألكسندر لافرنتييف مشروع مسودة الدستور السوري الذي تأمل واشنطن إعلانه في شهر أغسطس/آب المقبل، ما يعني أنه يُمسك الآن بجناحَي السياسة الأميركية حيال سورية: "داعش" ومحادثات السلام بين النظام والمعارضة.

يملك المحامي الأميركي علاقة خاصة بسورية التي يتحدر منها والده سيمون، كما تابع هذا الملف عن كثب خلال فترة توليه برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "مجموعة الأزمات الدولية". في تلك الفترة، اجتمع مع رئيس النظام السوري بشار الأسد عامَي 2007 و2008، وكان يعتبر أن على واشنطن توفير استراتيجية متكاملة للنظام السوري ليكتسب ثقة الخروج من الفلك الإيراني. هذا الموقف تطوّر مع تغيّرات المنطقة، إذ كتب مالي مع زميله بيتر هاردينغ مقالاً في صحيفة "واشنطن بوست" في شهر يوليو/تموز 2011، يرى فيه أن نظام الأسد "يبدو عازماً على حفر قبره بيده. لم يكن من الضروري أن يكون الأمر بهذه الطريقة". وختم المقال بالقول "من الصعب تقييم ما إذا كانت هناك أغلبية واضحة من السوريين ترغب في إسقاط النظام. لكن ما هو واضح، أن أغلبية داخل النظام تعمل بشكل إضافي لتعجيل زواله".

تزامن تسلُّم مالي منصب إدارة شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض في إبريل/نيسان 2015 مع التحوّل التدريجي في الموقف الأميركي من سورية. لم تعد إطاحة الأسد من منصبه أولوية، كما تم تثبيت موقف واشنطن بأن إزالة الأسد عسكرياً ستؤدي إلى تعزيز نفوذ "داعش" في سورية. لا ينصح مالي بشراكة مع الأسد لمحاربة "داعش"، لكن لديه ليونة حيال توقيت تنحيه، فيما يجري العمل مع موسكو على تسوية سياسية تحاول إنهاء الصراع القائم في سورية.

ينتمي روبرت مالي إلى معسكر من يتماهون مع القضايا العربية، الذي يتضاءل نفوذه في العاصمة الأميركية. القضية الأقرب إلى قلبه هي حلّ النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وهي المهمة التي تولاها ضمن فريق عمل الرئيس الأسبق بيل كلينتون خلال قمة "كامب ديفيد" بين رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود باراك في يوليو/تموز عام 2000. كتب بعد تلك الفترة، سلسلة مقالات مع الأكاديمي حسين آغا والتي اعتبر فيها أن عرفات لا يتحمل وحده فشل القمة، في موقف يتعارض مع تقييم معظم زملائه في فريق عمل كلينتون ومع الموقف الإسرائيلي بطبيعة الحال، وهو ما جعل كثيرين يقولون إن مالي أكثر سياسي أميركي أنصف عرفات في هذا الموضوع. لكن هذه ليست القضية الوحيدة التي سببت له المتاعب في واشنطن.



حملة أوباما نفت، في شهر أيار/مايو 2008، أية علاقة لها بمالي مؤكدة أنه لن يكون مستشاراً لها للسياسة الخارجية بعد تقارير إعلامية أفادت أنه التقى قادة في حركة المقاومة الإسلامية "حماس". وصرّح مالي، حينها، أن طبيعة عمله في "مجموعة الأزمات الدولية" تحتم عليه التحدث مع كل الأطراف، مشيراً إلى أنه أبلغ وزارة الخارجية الأميركية مسبقاً بهذه الخطوة. عقب هذا الموقف، وصفه الكاتب اليميني مارتي بيريتز بأنّه "كاره مسعور لإسرائيل".

اللافت، أن الرجل المتخصص بقضايا النزاع العربي الإسرائيلي يعمل، اليوم، في ظرف إقليمي ليس مؤاتياً لإنجاز أية تسوية لهذا الصراع. وصل مالي إلى البيت الأبيض بعد مرحلة "الربيع العربي" في واشنطن، حين انتقل التركيز إلى الاتفاق النووي مع إيران واحتواء "داعش". مجرّد تعيينه في فبراير/شباط 2014 كمستشار لشؤون الخليج وإيران، كان مؤشراً واضحاً أن واشنطن قررت المضي قدماً في تسوية نووية مع طهران بعد ستة أشهر من تولي الرئيس الإيراني حسن روحاني منصبه في أغسطس/آب 2013. قبله شغل المستشار في معهد واشنطن، دينيس روس هذا المنصب في ولاية أوباما الأولى حين كان البيت الأبيض يسعى جاهداً لردع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن توجيه ضربات جوية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية.

ولعلّ النقطة الأهم التي تقاطع فيها مالي مع أوباما هي النظرة إلى الحلفاء والأعداء في الشرق الأوسط. كتب مالي في مجلة "فورين أفيرز" عام 2010، أن "واشنطن لا تزال تنظر إلى الشرق الأوسط على أنه منقسم بين المعتدلين والمتشددين، وهذا مفهوم يجعلها تتغاضى عما يغذي فعلياً دينامية المنطقة". ويضيف أن "حلفاء واشنطن المفترضين في المنطقة يسعون غالباً لأهداف لا تتماشى مع الولايات المتحدة، وأعداءها يروّجون أحياناً لأهداف تتوافق مع أهداف واشنطن". هذه النظرة هي جزء أساسي اليوم من نظرة واشنطن إلى علاقتها مع السعودية وإيران.

تطوّر روبرت مالي، فكرياً، مع الوقت ونضجت تجربته مع تولي هذا المنصب في إدارة أوباما خلال مراحل تاريخية في المنطقة. كما تولى مهمات أعادت الاعتبار لمصداقيته، وفتحت صفحة جديدة في مسيرته المهنية. في السنتَين الأخيرتين، وربما لأهمية ومحورية منصبه، تمكّن مالي من تحويل أبرز منتقديه إلى أصدقائه مثل السفير الإسرائيلي في واشنطن رون ديرمر وسلفه في البيت الأبيض أليوت أبرامز، لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو نظرته إلى القضية الفلسطينية. بعد أسبوعين من توليه منصب منسق الحرب على "داعش"، أكد مالي، خلال ندوة نظّمتها كل من صحيفة "هآرتس" و"صندوق إسرائيل الجديدة"، أنه لا يمكن هزيمة التشدد في الشرق الأوسط من دون معالجة القضية الفلسطينية.