لبنان دولة دون هيكل!

21 ابريل 2021
+ الخط -

يعاني لبنان منذ استقلاله حتى اليوم من أزمة هوية ونظام، في كل فترة يتم تعديل مقومات النظام، تارة بطرق مباشرة من خلال تعديل الدستور وتارة من خلال الحروب وأحياناً من خلال استعمال النفوذ الخارجي. كل هذه العوامل لم تنتج دولة بل أسقطت كل مفاهيم المؤسسات.

قبل الطائف

ما قبل اتفاق الطائف الفترة الذهبية التي كانت في لبنان بموضوع دولة المؤسسات وبدء رحلة الألف الميل وكانت خلال عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب، حيث طور الكثير من القوانين وفعّل الإدارة العامة، ففي عهده أقر قانون الضمان الاجتماعي، وتنظيم المالية ومصرف لبنان، والإنعاش الاجتماعي، ونظم الجيش وقوى الأمن الداخلي، وحدّث التربية والتعليم، والبنية التحتية في كافة المجالات، إضافة إلى حقوق الإنسان.

ولكن في الوقت عينه كان يأخذ بعين الاعتبار المعوقات الداخلية والخارجية، فوضع الحد الأدنى لبناء دولة خارج إمارة الطوائف، ولكن مع حدوث المتغيرات في المنطقة وخاصة بخصوص القضية الفلسطينية، والحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية تم تجميد كل الإصلاحات التي بدأ بها شهاب، وأصبحت أولوية الصراع على النفوذ ومن بعدها دخلنا في نفق الحرب الأهلية.

قانون استقلالية القضاء يجب أن ينطلق من مسودة مشروع قانون للمفكرة القانونية منذ عام  2018 والتي مضى عليها 352 قاضياً

 

ما بعد اتفاق الطائف

جاء اتفاق الطائف وأوقف الحرب، حيث كانت طموحات اللبنانيين أكبر بكثير مما تحقق، إذ لم تعمد السلطة إلى تطبيق الإصلاحات المذكورة في الطائف وطوقت إصلاحات شهاب من معظم النواحي. لعب الدور السوري في ضبط الإيقاع داخلياً من خلال القوة والأمن وأصبح لبنان يعيش بدولة من دون هيكل، أو من الممكن أن نسميها بالسلطة الوهمية، من دون أي تطوير للمؤسسات والعمل على بناء دولة القانون والمؤسسات، فأصبح يوماً بعد يوم يتدمر خط الطريق الذي رسمه فؤاد شهاب.

ما بعد اغتيال الرئيس الحريري

جاء اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقصم ظهر البعير، حيث عدنا إلى نقطة الصفر ورجعنا إلى الخلافات والصراعات الداخلية على النفوذ والدخول مجدداً بلعبة المحاور. أصبح كل فريق يريد أن يضع أوراق قوته على الطاولة والعمل على استقطاب حاشيته، تارة بخطابات طائفية وتارة بالزبائنية السياسية.

طبعا عملت هذه السلطة على تطويق شهاب والطائف من جديد، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في المرحلة الحالية لأسباب داخلية بسبب تفشي وباء الفساد وعدم التخطيط، وهدر المال العام، وعدم بناء دولة المؤسسات، والعوامل الخارجية بسبب المتغيرات السياسية في المنطقة منذ بداية الربيع العربي حتى اليوم، إضافة إلى المتغيرات السياسية الدولية حيث أرضخت الطبقة السياسية في لبنان إلى اللعبة الخارجية بسبب بناء كانتوناتها الطائفية وتدمير نهج المؤسسات. وأصبح القضاء مسيساً، والأمن مسيساً، والتوظيف مسيساً، وحتى الرغيف أصبح مسيساً، فالنظام اللبناني أصبحت ركيزته الأساسية هي الزبائنية السياسية.

استقلالية القضاء

في الأيام الأخيرة شهدنا نزاعاً قضائياً، فضح هشاشة السلطة القضائية التي كان البعض يتفاخر بها، فلبنان يعيش الاستنسابية القضائية حسب المثل اللبناني "كل من إيدو قلو" رغم حساسية الملفات وأهميتها والتي يجب أن يحاسب كل من هو مرتكب في جميع الملفات التي أوصلت المواطن اللبناني إلى الذل وإفلاس المالية العامة.

ولكن أهم ركن من أركان القضاء هو المصداقية والاستقلالية، ومن هنا لكل من يتحدث عن اهتراء القضاء وفساده، فلتتفضل الكتل النيابية بإقرار قانون استقلالية القضاء وفصل القضاء عن السياسة، من خلال تعزيز استقلالية المؤسسات الناظمة للقضاء، مجلس القضاء الأعلى وهيئة التفتيش القضائي، وتعزيز ضمانات استقلالية القاضي، وضمان حقوق المتقاضين في حسن أداء المرفق العام وتقديم شكاوى ومحاسبة المخالفات القضائية والتوفيق بين التنظيم الهرمي للنيابة العامة واستقلالية القضاة العاملين.

فقانون استقلالية القضاء يجب أن ينطلق من مسودة مشروع قانون للمفكرة القانونية منذ عام  2018 والتي مضى عليها 352 قاضياً، وليس مثل القوانين التي يقرها مجلس النواب التي تكون مفرغة من أدواتها التنفيذية أو مبهمة.

هشاشة مختلف قطاعات الدولة

هذه الهشاشة التي شهدناها في إحدى أهم خصائص الدولة وهو العدل، موجودة في جميع مؤسسات الدولة، حتى في الأمن، مما قد يفتح الباب في مرحلة لاحقة على تخبط واستنسابية فاضحة، حتى في هذه القطاعات وكل ذلك سيؤدي إلى هشاشة أمنية وصدامات في الشارع من قبل موالي السلطة نفسها.

كل هذا السياق يأتي من ضمن العنوان الأهم في المرحلة المقبلة وهو توزيع الخسائر جراء الانهيار المالي، وكل فريق سيعمل على حماية نفسه وأزلامه، وكل فريق سيستعمل جميع أوراقه. وسيأتي ذلك من ضمن سياق الاستمرار بتدمير دولة المؤسسات وتكريس الزبائنية السياسية، والحل لن يكون إلا بالعودة إلى ذهنية شهاب وتحقيق الإصلاحات المطلوبة لبناء الجمهورية الثالثة، تحت عنوان: العدل والشفافية والمساواة.

دلالات