مادة "بيروفسكيت".. ثورة الطاقة الشمسية المقبلة

03 فبراير 2015
(يوتيوب)
+ الخط -
 
تنتج من مواد كيميائية عادية، وتقل كلفة إنتاجها سبع مرات عن إنتاج السليكون. فهل هي حقاً المادة الواعدة لاستغلال الطاقة الشمسية؟
نحتاج لتصنيع المواد إلى عنصر من اليود، وذرة من الرصاص، وقليل من الكربون والبعض من النيتروجين إلى جانب الهيدروجين. هذه كل المكونات اللازمة وهي متوفرة وغير مكلفة، وضرورية لإنتاج المادة الجديدة التي شغلت ألباب الباحثين منذ سنتين وهي تقدم وعوداً جدية بتطوير صناعة الخلايا الشمسية بفضل سهولة التصنيع. فما هي المادة المعجزة؟ هي بيروفسكيت.
 


 
إن تصنيع هذه المادة سهل للغاية، حتى إنه يمكن تحضيرها في المطبخ المنزلي، وقد تم تركيبها لأول مرة في مختبر ياباني سنة 2007 بوسائل بدائية. فيكفي لذلك، دمج المكونات معاً في درجة حرارة ما بين 100  و120 درجة مئوية للحصول عليها. ويعدّ تصنيعها بعيداً كل البعد عن التقنية المعقّدة المستخدمة لصناعة أنظمة الخلايا الشمسية، حيث لا يحتاج الأمر إلى الغرفة البيضاء والأشعة الفوق بنفسجية ودراجات الحرارة العالية.  

في الوقت الحالي، لايزال السيليكون المادة المهيمنة في صناعة الألواح الشمسية رغم عملية إنتاجه المكلفة، فهل هذه العوامل تُعجل لاستخلافه بالمادة الجديدة، خصوصاً أن الخلية الشمسية من مادة بيروفسكيت يتكلف تصنيعها أقل بسبع مرات من نظيرتها بالسليكون.
اكتُشفت مادة بيروفسكيت منذ أكثر من 150 سنة، وهي مصدر للمعادن التي تحتوي على الكالسيوم والتيتان والأوكسجين. 

وخلال هذه المدة، استطاع علماء تغيير مكونات هذه المادة من دون تغيير التركيبة البلورية العامة، غير أنه لم يستخدم من قبل سوى لصناعة الأقطاب الكهربائية.  
وجاءت المرحلة الحاسمة في 2012 عن طريق ميشال كراتزال، وهو كيميائي سويسري من أصل ألماني، كان قد وضع منذ 20 سنة من هذا التاريخ تصميماً لخلية منخفضة التكلفة، متكونة من ثلاث طبقات قادرة على تحويل الضوء إلى تيار كهربائي.

ويرتكز عمل هذه الخلية على المبدأ الآتي: حين تتعرض الخلية إلى أشعة الشمس يحدث تحرير شحنات سالبة (إلكترونات)، ما ينتج منه ظهورمناطق موجبة في الطبقة الوسطى، ويؤدي هذا التحرك إلى ظهور تيار كهربائي.

كذلك طور هنري سنيث من جامعة أوكسفورد فكرة ميشال كراتزال الأولية، بتغيير الطبقة الوسطى من الخلية بمادة بيروفسكيت هجينة وبسمك أعرض.
أظهرت النتائج المختبرية الآنية مردوداً كهربائياً يقدر بـ10 بالمئة. وهي نسبة لافتة للنظر، خصوصاً أنها مادة قليلة الكلفة ومتوفرة، فإذا ما قرنها مع مادة السليكون أحادية البلور والمكلفة جداً وورغم ذلك لم تتوصل سوى إلى مردود 24 بالمئة في المختبر بعد أبحاث دامت قرابة 60 عاماً.

وكما أنه اتضح بعد تهجين مادة بيروفسكيت، أن لديها قدرات كبيرة لامتصاص الضوء وقابلية خاصة لتوصيل الكهرباء لم تكن متوقعة.
فمثلها مثل السليكون، تسمح تركيبتها البلورية ثلاثية الأبعاد بتوصيل شحنات سالبة لمسافة تصل إلى الميكرومتر. فإذا اعتمادنا التركيبة الذي اقترحها كراتزيل، فلسنا بحاجة لإعطاء المزيد من التحفيز لخاصية التوصيل مثلما هو معمول حالياً مع السليكون.

فمنذ هذا الاكتشاف، والأمور تسير بسرعة، حيث نشرت عدة مقالات محكمة حول الخلايا الشمسية باستعمال مادة بيروفسكيت من 5 إلى أكثر من 50 مقالاً علمياً في السنة الماضية، وهذا ما يظهر الاهتمام المتزايد بهذه المادة الواعدة. 
وقد وصل حالياً مردود الخلية الشمسية المصنوعة من البيروفسكيت في المختبر إلى 20 بالمئة. وهذه النسبة ليست بالأمر المعتاد في مجال الطاقة، حيث خلال الأربع سنوات الماضية، ارتفع مردود البيروفسكيت من 6 إلى 20 بالمئة والذي عادة لم يكن يرتفع سوى بعض الأعشار من المائة كل سنة.

وللوصول إلى المواصفات الفيزيائية لمادة السليكون أو لما يتعداها، فقد اعتمد العلماء على ثلاثة معايير أساسية خلال البحوث، وهي: السمك ومورفولوجيا طبقة بيروفسكيت، والتوصيلات الفيزيائية ما بين الطبقات المختلفة للخلية الشمسية والتي عادة لا تكون مثالية. وأخيراً طبيعة المركبات المتغيرة في الهيكل البلوري، مثل إستبدال اليود بذرة البروم أو الكلور. فالأبحاث المقبلة تأمل دمج السليكون مع بيروفسكيت في الخلية الشمسية ذاتها من أجل الوصول إلى مردود طاقوي يقارب 30 بالمئة أو يزيد عليه. 

وعلى غرار هذه النتائج التجريبية، أصبح عمل الباحثين كعمل من يلعب لعبة الاستبدال، حيث تتوفر مادة بيروفسكيت على مرونة كبيرة، مما يمنح الباحثين متعة البحث على أحسن تركيبة وأجود صيغة للصعود بفاعليتها الطاقوية والوصول إلى أكبر مردود في هذا المجال. 
بالإضافة إلى كل ما ذكر، فإن مادة بيروفسكيت سهلة التشكيل ولها صفات لا نظير لها، وبمجرد استبدال بعض مكوناتها الكيميائية في هيكلها البلوري حتى يصبح كل شيء متوقع منها.
ولا تنحصر التطبيقات المحتملة في هيكلية "كراتزيل"، وإنما هناك ألواح شمسية مركبة على طبقة لينة من بلاستيك، أو الزجاج أو مجمعة ضمن ألواح كلاسيكية.

ورغم كل هذه الميزات التي تتمتع بها هذه المادة، إلا أن بعض المتخصصين في ميدان الطاقة الشمسية لا يرون فيها البديل الحالي عن مادة السليكون وهم تعودوا عليها، ويفضّلون الانتظار لغاية إثبات العكس. كما يذكر آخرون، أن مادة البيروفسكيت قد تحتوي بعض العيوب، ومنها عدم استطاعة تحديد مدة صلاحية حقيقية لها، حيث يمكن أن تتحلل تحت تأثير الرطوبة الجوية والأشعة الفوق البنفسجية وكذلك الرمال.
بالإضافة إلى ذلك، معظم الخلايا الشمسية الحالية تستخدم مادة الرصاص، والتي يحاول الباحثون استبدالها، لخصائصها السامة والملوثة للبيئة، بعنصر القصدير مع المحافظة على أن لا ينخفظ  المردود الطاقوي للخلية.

وكل هذه النتائج لا تزال مختبرية ومبنية على جهاز ذي مساحة 1 سنتم مربع، ولم تجرب بعد على نطاق واسع وفي الظروف الحقيقية للاستعمال. إن المجال الصناعي يحتاج إلى منتج حقيقي، وإلى تركيب الخلايا الشمسية في ألواح كبيرة للاستعمال في المجال الإنتاجي الطاقوي.
 
والأبحاث يجب أن تستمر، حتى نرى إدخال مادة البيروفكيت في إنتاج الحرارة أو الإنارة في بيوتنا. فمجال البحوث لا يزال مفتوحاً، حيث لا توجد تقنية تظهر فجأة ولكنها حتماً تمر عبر مختبرات ومطابخ البحوث التطبيقية لبلوغها مرحلة الرشد والاعتماد التقني الحقيقي.
المساهمون