قاطعوا المهزلة.. مرشح غير صالح

02 مايو 2014

في مديح السيسي وسط القاهرة (إبريل 2014 Getty)

+ الخط -
تحدثنا عن مقاطعة هذه المهزلة الانتخابية في مصر، مناقشين تلك الأسطورة التي تقوم على قاعدة من مقولة "مرشح الضرورة"، واليوم، نؤكد على معنى آخر، نوضح فيه أن مرشح الضرورة "المزعوم" ليس في الحقيقة "المرشح المنشود"، بل هو "مرشح غير صالح". تأتي الحيثيات وتشير المقدمات لتؤكد هذا المعنى الذي يفصح عن مهزلة؛ كيف يترشح من قتل بعضاً من شعبه، واعتقل بعضاً من ناسه، وارتكب كل الموبقات في حق وطنه ومكاسب ثورته، بل، أيضاً، في حق جيش مصر ومؤسسات مجتمعه؟ قاطعوا.. إنها المهزلة.
من المسائل المهمة، في هذا المقام، أن يشكل "مرشح الضرورة" في الانتخابات الرئاسية المصرية "المصنوعة" مرشحاً للدولة العميقة والثورة المضادة؛ بما تشكله من قوىً مساندة في صورة غطاء انتخابي للمؤسسة العسكرية التي اتضح أنها تخرج عن أدوارها الحقيقية،  وتدعي القيام بأدوار وطنية، وهي، في حقيقة الأمر، تدخل أبواب السياسة من كل طريق، وتجعل من أهدافها اتخاذ مواقف وأفعال مسيسةٍ، تخرج بها عن وظيفتها التأسيسية في حماية الوجود والحدود والأمن القومي لهذا الوطن، ويحصل هذا كله في إطار صياغة غير سويةٍ لملف العلاقات المدنية العسكرية، في إطارٍ يسير ضمن سياق عسكرة الحياة المدنية،  أو الغطاء المدني لحكم العسكر، وهي من مسائل تجعل من المؤسسة العسكرية دولة داخل دولة، أو إن شئت الدقة دولة فوق الدولة، يشير إلى ذلك ما كان من صياغاتٍ وتحصيناتٍ تتعلق بهذه المؤسسة وقياداتها. ماذا فعلت بانقلابك إلا استدراجاً للجيش إلى ساحات السياسة، ثم تسرف في الأمر، فتترشح لرئاسةٍ أنتم بفعلكم آخر من يترشح لها.. المرشح الانقلابي.. قاطعوا إنها المهزلة.
ومن القضايا الأساسية التي تتعلق بضرورة مقاطعة هذه الانتخابات المصنوعة، والمصطنعة التي تقوم على قاعدة الشرعنة، لا الشرعية، والانقلاب لا الديموقراطية، فإننا نقول، وبأعلى صوت، إن القاتل لا يصلح مرشحاً، والكومبارس لا يصلح رئيساً، ذلك أن القاتل الذي اقترفت يداه قتل بعضهم، إنما يشكل رصيداً سلبياً مديناً، بل سوابق جنائية لا تجعله مؤهلاً لقيادة مصر وشعبها، بكل تنوعاته وقواه وامتداد أطيافه، ولا يمكن لمن وافق على أن يلعب دور المحلل أن يكون رئيساً سيداً، لأنه في النهاية ليس إلا عبداً حُرك ليمثل دوراً ويمرر أمراً. قاطعوا.. إنها المهزلة.
 
وفي هذا المقام، يجب أن نشير إلى مؤهلات كل من المرشحين، وفي حقيقة أمرها لا تشير إلى انتخابات حقيقية، بل إنها محسومة النتائج مسبقاً، لمصلحة فرد بعينه يدبج أسطورة أخرى، تدّعي أنه يعدّ رئيساً لكل المصريين. وفي حقيقة الأمر، لا يمكن تصديق هذا الوهم، أو بيعه لعموم الناس، بما أصدره من خطاب، وبما تحيز فيه من مواقف، وبما اقترف فيه من أفعال، وما تبنّى من سياسات، فقسم الشعب، ومكّن كل عناصر الاستقطاب والكراهية، وتكشفت الأمور التي تتعلق بالصناعة الانقلابية، من "حملة تمرد" التي اصطنعت على عينه إبان رئاسته المخابرات الحربية، أنه لم يقم إلا بتقسيم هذا الشعب الى شعبين، كيف يمكن أن يصدقه جمهور الناخبين بأنه يمكن أن يكون رئيساً لكل المصريين؟... قاطعوا إنها المهزلة.
قاطعوا هذه المسرحية الهزلية، فمستقبل مصر لا يحتمل، ولا يتحمّل، مسرح العبث السياسي، ولم يعد الأمر في حال السعة، حتى نهزل في مقام الجد، أو نجد في مساحات العبث، أو اللهو، أو الإلهاء السياسي والانتخابي. هل نحن بحق أمام ما يمكن تسميته "موت السياسة"، كما كتب الدكتور عمرو حمزاوي في مقالات كثيرة، أم أننا أمام ظاهرة أحط، تعبّر عن "اغتصاب السياسة"، ثم قتلها، وهو أمر يتطلب اتخاذ موقف من الحال الانقلابي الذي تعقبه "الشرعنة بالانتخابات"، لا يحتمل المساومة، ولا يجب فيه التنازل، وإنما وجبت فيه المواجهة والمقاومة؛ ذلك أن من "قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا"، فما بالك من حاول، مع إصرار وترصّد، بحصار شعب، واعتقال وطن والشروع في قتل أمة ومستقبلها السياسي، وتطويق ثورة وحصارها، بعد أن فتحت أفق السياسة الحقيقية، وشرعت في بناء المستقبل. إلا إن الذين يرشحون أنفسهم في هذه الانتخابات الهزلية ارتكبوا كل فعل آثم، بحيث يُعدون من هؤلاء الذين قاموا بالقتل، أو حرضوا عليه، أو شاركوا فيه، أو برروا له، أو سكتوا عنه، إنهم قتلة النفوس، قتلة الأمل، قتلة المستقبل، قتلة الشباب أمله وجرأته. قاطعوا.. إنها المهزلة.
إن خطابك وأفعالك تهتف بأعلى صوت "إنك لم تتعلم الدرس، غلبك طمعك، ومن قام لك بالتزيين، وتملّكك حلمك اللعين، ولم تع أن مصر، شعباً ووطناً، لم تعد تُحكم بالأحلام، ولا صناعة الأوهام، ولا بعبث الحكام، ولا بحكم الغادرين اللئام، ولا بتبرير بطانة السوء، ولا تمرير حكم، والناس نيام، ولا بغسل المخاخ بالقعود عن الثورة والفاعلية والقيام. في هذا الوقت، لن ينفع التبرير، أو التمرير، أو التغرير أو التزوير، وساعتها، لن يجدي حلو الكلام، ومعسول الخطاب من "نور عنينا" أو "تتقطع أيدينا"، وكل فائض الكلام. ساعتها لن تنفعك بطانة اللئام، يا هذا انكشف المستور وأميط اللثام. قاطعوا.. إنها المهزلة.
هل تعرف أن لكل مقال مقاماً، ولكل فعل قياماً، أنت من هدم مجتمع الوئام والسلام، أنت من قتلت، وأزهقت أرواح الكرام، أنت من طلبت التفويض والتحصين، لتقتل الصوّام والقوّام، أنتم من قمتم بصناعة العبث والأوهام، أنت الذي قتلت الناس من أجل منام، ارتكبت المجازر، وانتهكت كل مساحات الحرام، وتحمّل هؤلاء آلام كبار وأمور عظام، قم عن شعبك، فلن تجد فيهم بعد اليوم نياماً. قاطعوا.. إنها المهزلة.
كيف تترشح وعلى من تترأس، على مجتمع أوصلته إلى حالة من الكراهية المميتة، أم تترأس على شعبٍ، قسمت نسيجه الاجتماعي، وقطعت أوصال روابطه المتينة، وهيأت بيئة تدفع الناس إلى اقتتال أهلي، وحرب داخلية مقيتة، تنال من سلمهم الاجتماعي، وروح جماعتهم الوطنية الرصينة. قاطعوا.. إنها المهزلة.
قد تمرر الأمر، وقد تجد من يبرر، وقد تجد من يقبل، ومن تستطيع أن تتلاعب به وتغرر، وقد يفتح لك بعضهم الطرق، لتصل إلى سدة السلطة بطريق مزور. ولكن، إعلم أن استمرارك لن يكون، واستقرارك على كرسيك غير مضمون، وسلطانك زائل زائل زائل، غير آمن أو مأمون. يا أهل مصر: إنه ليس من أهلك إنه مرشح غير صالح. قاطعوا.. إنها المهزلة.
 
ECE602C0-DB35-414B-9572-17B675CE3C2A
سيف الدين عبد الفتاح

كاتب وباحث مصري، مواليد 1954، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، من مؤلفاته "في النظرية السياسية من منظور إسلامي"، و" التجديد السياسي والواقع العربي المعاصر.. رؤية إسلامية".