رواية "الرغيف": بيان ضد الاستبداد

10 ابريل 2015
من مشاهد المجاعة في لبنان (أرشيف: إبراهيم نعوم)
+ الخط -

وأخيراً صدرت الترجمة الفرنسية لرواية الكاتب اللبناني توفيق يوسف عواد (1911 - 1988)، "الرغيف"، عن دار "أكت سود". ونقول "أخيراً" ليس فقط لأن هذا العمل، الذي صدر بالعربية عام 1939، يُعتبر أول رواية لبنانية حديثة، بل أيضاً لأن الواقعية الميلودرامية الحيّة التي تصبغه تأسرنا منذ الصفحات الأولى، ولأن الدعابة القارصة والمحرَّرة من الأوهام التي تعبره تنقلنا إلى قمة المثالية التي تطبع مجمل إنتاج عوّاد.

أحداث الرواية تقع في قرية لبنانية، عشيّة الثورة العربية (1916)، ضد السلطنة العثمانية. وينقلنا المشهد الأول إلى حانة نشاهد فيها مشاجرة بين صاحبة الحانة ورجل سكير لا يتوقف عن تهديدها بكشف سرٍّ يخصّها؛ قبل أن يصل شخص غريب بلباس أوروبي يستعين ببورصته المليئة لتبديد المناخ المتوتر، وإخفاء سبب زيارته. وفي المشهد نفسه، نتعرّف أيضاً إلى رجل كهل همّه الوحيد هو حماية بقرة عجوز وهزيلة، والطفل توم، والفتاة الجميلة زينة، من جشع صاحبة الحانة.

وتفتننا زينة بسرعة بعزّة نفسها ووحشية طِباعها، وأيضاً بقلقها على حبيبها سامي الذي يكتب بيانات ضد الاحتلال العثماني ويختبئ في مغارة مجاورة للقرية. ولأنه سيملّ في النهاية من عزلته، يخرج سامي من مخبئه، فيُلقى القبض عليه بعد قتله بالخطأ جندياً عثمانياً. وبعد اكتشاف جثّتين قرب سجن المحكمة العسكرية، تبثّ السلطات العسكرية شائعة مفادها أن الجثتين هما له ولحارس السجن الذي ساعده على الفرار، فتقرر زينة التقرّب من الحاكم التركي لقتله..

أهمية هذه الرواية تكمن أولاً في تسليطها الضوء على مرحلة مفصلية من تاريخنا الحديث، ستشهد يقظة الشعور القومي، والنضال ضد الاستبداد العثماني، والمحركات الاجتماعية والفردية لهذا النضال، والانخراط المبكر للمرأة العربية فيه، ناهيك عن المجاعة التي ستضرب لبنان وتحصد عشرات الآلاف من أبنائه.

ينجح عوّاد في استحضار مناخ تلك المرحلة عبر نظرة شخصياته الرئيسية إلى الأحداث، والمِحَن التي ستعبرها. فبتنقّل "عدسة" سرده من شخصية إلى أخرى، يعزز فعالية هذا السرد الذي لا يقوم على الاسترسال في الوصف بقدر ما يرتكز على عنصر التشويق الملازم لوتيرة الأحداث والأفعال والمشاهد، السريعة، وعلى الحوارات المعبّرة التي تشكّل خير مرآة للحالات النفسية.

أما لماذا "الرغيف" عنواناً للعمل، فلأن نفوساً كريمة ستحرم نفسها منه مراراً في الرواية لمنحه إلى مَن ليس قادراً على تأمينه؛ ولأنه الرغيف المبلول بالذل والدم الذي ترميه نفوسٌ ميّتة للبؤساء خلال المجاعة؛ ولأنه خير استعارة لخبز الحرية المنشودة على طول النص.

دلالات
المساهمون