الدستور المغربي... حدود النص أم إشكالية الفاعلين؟

08 يوليو 2016

مظاهرة في الدار البيضاء تدعو إلى إصلاحات (3 يوليو/2011/Getty)

+ الخط -
حلّت، في الأول من يوليو/ تموز الجاري، الذكرى الخامسة لتصويت المغاربة على دستور جديد، كان قد ارتبط بسياقات "الربيع العربي"، وبدينامية الشباب المغربي المتمثلة في حراك 20 فبراير، وكذا بالتفاعل الذكي والاستباقي للمؤسسة الملكية، في خطابٍ تاريخي في مارس/ آذار 2011.
على قِصرها، تبقى التجربة الدستورية الحالية، من دون منازع، الأكثر تميزاً بتضخم الحديث عن"التأويل"، إذ لا يكاد يتم ذكر دستور 2011 إلا مقترناً بالحاجة إلى "التأويل الديمقراطي"، سواء في خطابات الأحزاب أو الصحافة أو المجتمع المدني، بل وحتى داخل خطاب المؤسسات. وإذا كان خطاب بعض الفاعلين السياسيين قد ربط بين "نجاح" التجربة الدستورية الحالية وهذا التأويل، فإن قليلاً ما يتم الانتباه إلى أن هذا الحديث المتضخم هو، في النهاية، دليل على"الحدود الموضوعية للنص الدستوري"، والتي لا تجعله منتجاً لآثاره الإيجابية، إلا انطلاقاً من نوعية القراءة التي تقدّم له، وهو ما يعني، في التحليل نفسه، تعليق أهمية النص على الطريقة التي سيتمثله بها الفاعلون الأساسيون. وبالتالي، ترك الدستور "رهينة" للحياة السياسية.
الواقع أن "فخ" الوثيقة الدستورية يبين قابليتها، القانونية والسياسية، لتأويلاتٍ متباينةٍ، ليس لأسباب لها علاقة بالصياغة والشكل. ولكن، أساساً لنهوض النص الدستوري على جملة من"التوترات" المهيكلة، والتي تفتح الباب، موضوعياً، أمام إمكانيات تأويلية متعددة. تتعلق هذه التوترات بتعايش/ تنازع المنطقين، الرئاسي والبرلماني، داخل هندسة توزيع السلطات داخل الدستور، ثم بتعايش/ تنازع النمطين، التمثيلي والتشاركي، داخل تصوّر هذا الدستور فكرة الديمقراطية، ثم بتعايش/ تنازع مرجعيتي الهوية والمواطنة، داخل البناء القيمي الذي تقترحه وثيقة 29 يوليو/ تموز2011. هذا من دون أن ننسى ما يمكن اعتباره توتراً "مزمناً" لكل الدستورانية المغربية، من خلال بحث مدى احتفاظ التجربة الدستورية الحالية بإشكاليتي السمو والازدواجية، وهما الإشكاليتان اللتان طبعتا مسار الحياة السياسية والدستورية، خصوصاً منذ بدايات الثمانينيات، فإذا كان التوتر "الأصلي"بشأن الدستورانية المغربية يرتبط من جهة بالعلاقة بين دستور مكتوب ودستور ضمني "أسمى"، فإن من المهم الوقوف على جواب دستور2011 على إشكالية الازدواجية، وآثارها على مبدأ الشرعية والسمو، من خلال تقسيم الفصل 19 من الدساتير السابقة، والتمييز بين صفتي أمير المؤمنين ورئيس الدولة، مما من شأنه أن يوضح مدى تجاوز حالة التطبيق التقريبي للدساتير التي تصبح معها الأخيرة مجرد نصوص للاستئناس، حسب التقديرات السياسية للفاعلين.
من جهةٍ أخرى، أكّد توالي وقائع سياسية عديدة أن حضور مظاهر الديمقراطية التشاركية، إلى جانب البعد التمثيلي، قد أنتج أثره المباشر، في صياغة علاقةٍ متوترةٍ بين مؤسسات "التمثيل" وهيئات الحكامة الجيدة. في مجال المرجعية الفكرية للوثيقة الدستورية، فإن تجاذب خطاب الكونية وحقوق الإنسان مع خطاب الهوية والخصوصية والثوابت لا شك في أنه يعرّض الممارسة لتوترات قيمية مؤكدة.
إذا كان لا بد من تقديم خلاصةٍ ما، في هذا السياق، يمكن القول إن في المغرب اليوم دستوراً جديداً ومتقدماً. لكن، مع ثقافةٍ سياسيةٍ قديمةٍ تتحكم في تطبيقه وتفعيله وتأويله، ما لا يجعل دائماً من احترام "الشرعية الدستورية" القاعدة السائدة، ولا يجعل الحياة الدستورية مطابقةً دوماً لكل الواقع السياسي، إذ لا شك في أن جزءاً من الدولة، كما يتضح على الأقل من الخطاب الديني الرسمي، يريد أن يحتفظ من الماضي، في بعض الحالات، بفكرةٍ طورها الملك الراحل، الحسن الثاني، هي أسبقية النظام السياسي وأولويته وسموه على مؤسسة الدستور نفسه، كما أن جزءاً من النخب الحكومية وغير الحكومية تريد، هي الأخرى، في بعض الحالات، أن تحتفظ من الماضي، بفكرةٍ طوّرها اليسار سابقاً، هي أولوية الثقة على التعاقد المكتوب، وأسبقية السياسي على الدستوري. لذلك، تريد الدولة، في بعض الحالات، أن تبدو أقوى من الدستور وأكبر منه. وفي المقابل، تبدو الحكومة أضعف من الدستور، مثل فاعلين سياسيين عاديين، يعانون من أزمة تمثل حاد لدستور2011، ويستمرون في استبطان روح دستور 1996.
2243D0A1-6764-45AF-AEDC-DC5368AE3155
حسن طارق

كاتب وباحث مغربي