حياة النازحين السوريين في الخيام... تعقيدات الصيف بعد الشتاء

29 ابريل 2024
فتحة اضطرارية لبعض التهوية في خيمة بإدلب (عامر السيد علي)
+ الخط -
اظهر الملخص
- النازحون السوريون في مخيمات اللجوء يواجهون ظروفاً قاسية تتراوح بين البرد الشديد وحرارة الصيف المرتفعة، مع انعدام الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصرف الصحي، مما يجعل العيش داخل الخيام صعباً ومحفوفاً بالمخاطر.
- تدهور الأوضاع الصحية والبيئية داخل المخيمات يبرز من خلال انتشار الأمراض الجلدية والحشرات بين الأطفال، وصعوبات في تخزين مفروشات الشتاء وتأمين النظافة الشخصية بسبب ندرة المياه.
- "منسقو استجابة سورية" يكشفون عن الأوضاع المتردية في مخيمات النازحين بشمال غربي سورية، مع نقص في الخدمات الأساسية وزيادة المخاطر الصحية بسبب الحرائق وارتفاع درجات الحرارة، مما ينذر بتفاقم الأزمة.

لطالما اعتقد النازحون السوريون بأن الحصول على مأوى سيكون نهاية المعاناة من الخطر والخوف والقصف، ثم اكتشفوا أنه بداية لمعاناة مختلفة ومستمرة، من بينها مواجهة حرّ الصيف بعد برد الشتاء.

يعيش النازحون في سورية وسط أوضاع إنسانية كارثية داخل الخيام. وما إن تنتهي معاناتهم مع موسم البرد والوحول والصقيع وانعدام وسائل التدفئة حتى يبدأ فصل آخر من المعاناة مع ارتفاع درجات الحرارة بحلول بداية فصل الصيف. ويترافق ذلك مع استمرار انعدام أبسط مقومات الحياة من كهرباء ومياه وصرف صحي ووسائل تبريد.
وبينما تحاول مريم السلور (31 سنة)، النازحة من ريف إدلب الجنوبي والتي تقيم في تجمّع مخيمات مشهد روحين، شمالي إدلب، طي مفروشات شتوية استعداداً لتنظيفها ورفعها في مكان ما لشتاء قادم، تقول لـ"العربي الجديد": "أحتار أين يمكن أن أضع هذه المفروشات، إذ تتسع الخيمة بالكاد لي ولأطفالي الأربعة. أفكر بأن أعد مكاناً منزوياً خارج الخيمة لوضع معدات الشتاء من سجاد ومدفئة وغيرها، وأغطيها بشادر لمنع إصابتها باهتراء من حرارة شمس الصيف، لكنني غير واثقة أيضاً من أنها ستكون في منأى عن حرارة الشمس، فالشادر مصنوع من نايلون ينقل الحرارة إلى الداخل". 
تتابع أن "الحياة في الخيمة صعبة جداً. أتمنى لو كان يوجد شيء صلب بداخلها يمكن أن يستند إليه المرء حين يتعب. القماش الذي صُنعت منه الخيام مجرد عازل لا يمنع سوى رؤية من في الداخل، ولا مجال للمقارنة بين حياة الخيام والمنازل. كل شيء في الخيام معقد، وكل وسائل الراحة مفقودة". تضيف: "أخشى الحشرات والزواحف التي بدأت تنتشر في كل مكان، خاصة مع وجود صرف صحي مكشوف داخل المخيم. وقضيت مع زوجي مرات على أفاعٍ وعناكب وعقارب قبل أن تؤذي أحد أبنائنا، لكنني لا أضمن أنهم سينجون من كل المخاطر هذا العام أيضاً".
وتتوقع بسخرية أن ينتشر القمل والجرب في فصل الصيف بسبب ندرة المياه للاستحمام، وهو ما تكرر مرات. في السابق كان الأهل يخجلون من إصابة أحد أبنائهم بالقمل أو الجرب، أما الآن فكل الأطفال يصابون بهذه الآفات الجلدية في المخيمات.
وعن تفاصيل حياة الخيام، تقول النازحة نجلاء الدركل (38 سنة)، لـ"العربي الجديد": "تشيّد الخيام عادة على أراضٍ ترابية، وتنتشر فيها الكثير من الزواحف والقوارض. وبما أن موسم الشتاء انتهى ويحتاج الحديث عن معاناته إلى شرح طويل، أكتفي بالحديث عن تحديات موسم الصيف لسكان الخيام".

المساحة ضيّقة للعب الأطفال داخل الخيام (عامر السيد علي)
المساحة ضيّقة للعب الأطفال داخل الخيام (عامر السيد علي)

وتشير إلى أن الخيام سريعة الاهتراء بفعل الحرارة العالية، ويجري ترقيعها باستمرار بسبب انعدام القدرة المادية على تغييرها كل مدة. وهي مكتظة بالسكان، علماً أن ثمانية أشخاص يعيشون في خيمتنا التي تُستخدم أيضاً لغسل الثياب والاستحمام والجلوس والنوم والطبخ وتناول الطعام".
وخلال تحضيرها وجبة الغداء لأطفالها على موقد صنعته خارج الخيمة، تقول نجلاء: "لا أستطيع الطبخ داخل الخيمة لأنها قد تحترق في ظل ارتفاع درجات الحرارة وسهولة اشتعال قماشها المصنوع من نايلون، لذا وضعت الموقد في مكان بعيد قليلاً عن الخيمة من أجل منع وصول أي شرارة نار إليها".

وتتحدث عن انعدام الخصوصية واستحالة تربية الأطفال فيها، والذين يكونون غالباً خارج الخيمة، لأنها ضيّقة عليهم وعلى أحلامهم في اللعب والترفيه، ما يجعلهم بعيدين عن مراقبة أهاليهم طوال الوقت، ويجعل ضبطهم أمراً بالغ الصعوبة.
أما النازح عبد الحكيم أسعد الضامن (41 سنة)، الذي يقيم في مخيم النور، قرب قرية زردنا بريف إدلب الشرقي، فيقول لـ"العربي الجديد"، إن "ارتفاع درجات الحرارة داخل الخيمة أمر لا يحتمل، والوضع مأساوي مع فساد الأطعمة بسرعة بسبب عدم وجود أجهزة تبريد، وانتشار حشرات خطيرة خاصة أم أربع وأربعين السامّة التي يخشى على طفله الوحيد من لدغتها المميتة".

ملازمة الخيام خيار صعب في الصيف (عامر السيد علي)
ملازمة الخيام خيار صعب في الصيف (عامر السيد علي)

من جهته، يتحدث النازح فايز رمضان الجاسم (48 سنة)، لـ"العربي الجديد"، عن المعاناة من ندرة المياه خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وكثرة استخدام المياه في وقت توقفت فيه المنظمات عن دعم هذا القطاع المهم، ما يضطرهم إلى شراء المياه. وهو يدفع مبلغ 40 ليرة تركية (13 دولاراً)، لتعبئة خران يتسع لخمسة براميل مياه، في حين لا يوجد لديه أي دخل أو فرصة للعمل".
ويحذر من تفاقم مخاطر النفايات وانعدام النظافة في المخيم وتوقف شفط الجور الصحية من قبل المنظمات الداعمة في الآونة الأخيرة، ما ينذر بوضع كارثي مع بداية ارتفاع درجات الحرارة حيث انتشار الحشرات والروائح والأمراض.
وبالانتقال إلى السبعينية فاطمة سليمان، يصعب وصف معاناتها مع بداية موسم الحر وارتفاع درجات الحرارة هذا الموسم، إذ لا كهرباء ولا مراوح تخفف ارتفاع الحرارة، وهي تشعر بضيق في الصدر، خاصة أنها تعاني من عجز وأمراض مزمنة تمنع خروجها من الخيمة أو إيجاد متنفس لها، وأبناؤها مهجرون ولا معيل لها.
وفي أحدث تقرير أصدره، تحدث فريق "منسقو استجابة سورية" عن مواجهة النازحين صعوبات كثيرة في مخيمات شمال غربي سورية، أهمها انتشار الحرائق في المخيمات نتيجة عوامل مختلفة، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة. ووصل عدد الحرائق إلى 22 هذه السنة مع توقع تزايدها خلال الفترة القادمة. 

ويعتبر التقرير أن انتشار ظاهرة الصرف الصحي المكشوف في مخيمات النازحين يزيد معاناة النازحين، علماً أن خدمات الصرف الصحي تشمل نسبة 39 في المائة فقط من إجمالي المخيمات، في حين لا تحتوي المخيمات العشوائية على هذه الخدمات. أيضاً تفتقر نسبة 48 في المائة من مخيمات النازحين إلى مياه نظيفة وصالحة للشرب. ووصل عدد المخيمات الخالية من خدمات هذه المياه إلى أكثر من 819، ويتوقع أن يزداد نتيجة توقف مشاريع خاصة بها. وبالتالي ستزداد الأمراض الجلدية في المخيمات نتيجة عوامل مختلفة، أبرزها انتشار الحشرات واستخدامات المياه، علماً أن سكان أكثر من 23 في المائة من المخيمات مصابون بأمراض جلدية. 
ويشكل عزل الخيم والأرضيات مشكلة أيضاً، خاصة مع انتهاء العمر الافتراضي لغالبية المخيمات، ما يزيد الأضرار. وتعتبر 66 في المائة من أراضي المخيمات غير معزولة، وأيضاً نسبة 92 في المائة من الجدران وأسقف الخيم، بحسب ما يفيد تقرير فريق "منسقو استجابة سورية".

المساهمون