انتخابات إسطنبول المحلية... بوابة لحكم تركيا

30 مارس 2024
مناصرون لإمام أوغلو في إسطنبول، مارس الحالي (أرديم ساهين/Epa)
+ الخط -
اظهر الملخص
- انتخابات إسطنبول المحلية تمثل نقطة فارقة في السياسة التركية، حيث تتنافس الأحزاب بشدة للسيطرة على المدينة ذات الأهمية الاقتصادية والسياسية الكبيرة، مع ميزانية تبلغ 7 مليارات دولار وحوالي 100 ألف موظف.
- المنافسة الشديدة بين مراد قوروم من حزب العدالة والتنمية وأكرم إمام أوغلو من حزب الشعب الجمهوري، بالإضافة إلى ترشح العديد من المستقلين وممثلي الأحزاب الأخرى، تعكس التنوع السياسي والديموغرافي لإسطنبول.
- التعقيدات الانتخابية والتحالفات المتغيرة، مع تأثير محتمل للأصوات الكردية والأحزاب الصغيرة، تجعل الانتخابات حاسمة لمستقبل السياسة التركية وتشكيل المشهد السياسي العام، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.


تعد انتخابات إسطنبول المحلية التي تُجرى غداً الأحد أكبر وأهم محطة للتنافس السياسي في تركيا، حيث تمثل ثقلاً سياسياً كبيراً، وترمي الأحزاب السياسية بكل قوتها لأجل الفوز فيها.

المعارضة التي تحكم إسطنبول وكبرى المدن التركية حريصة على أن تحافظ على حكمها للمدينة الكبيرة، لتعويض خسارتها في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في مايو/أيار الماضي، فيما تسعى الأحزاب الحاكمة لتعويض خسارتها للمدن الكبرى في العام 2019.

المدينة التي يبلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة تبلغ ميزانية بلديتها الكبرى قرابة 214 مليار ليرة تركية للعام 2024، أي ما يعادل قرابة 7 مليارات دولار، وهي أكبر من ميزانيات عدة ولايات تركية مجتمعة. ويعمل لدى البلدية نحو 100 ألف موظف وعامل، منهم 80 ألفاً منضمون لنقابات بحسب تصريحات لرئيس البلدية أكرم إمام أوغلو في وقت سابق.

ينحصر التنافس على رئاسة بلدية إسطنبول بين مرشح "العدالة والتنمية" مراد قوروم، و"الشعب الجمهوري" أكرم إمام أوغلو

وتتألف إسطنبول من 39 منطقة، تسعى الأحزاب للتنافس عليها وعلى رئاسة بلديتها الكبرى ومجلسها البلدي. وفي انتخابات العام 2019 فاز حزب العدالة والتنمية في 24 منطقة، وحزب الشعب الجمهوري في 14 منطقة، فيما فاز حزب الحركة القومية في منطقة واحدة. وفي حين تمكن التحالف الجمهوري الحاكم من الفوز بأغلبية المجلس البلدي، فقد فاز أكرم إمام أوغلو، مرشح تحالف الشعب المعارض، برئاسة البلدية.

أردوغان: من يحكم إسطنبول يحكم تركيا

إسطنبول، ذات الثقل التجاري والاقتصادي والصناعي والثقافي والسكاني، لها أهمية سياسية أيضاً. وسبق أن قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن من يحكم إسطنبول يحكم تركيا، وبالتالي يُعتبر الفوز فيها مؤشراً ومحدداً للرأي السياسي العام.

وضغط فوز المعارضة بانتخابات العام 2019 على الحكومة التركية، ودفع الأولى للحديث عن انتخابات مبكرة، مستفيدة من نتائج الانتخابات في إسطنبول وأنقرة وكبرى المدن، ولكن لم تستطع المعارضة تحقيق الأغلبية في البرلمان للذهاب دستورياً إلى الانتخابات المبكرة.

ونظراً لهذه الأهمية، فإنه ليس من المستغرب أن يترشح لرئاسة بلدية إسطنبول الكبرى 49 شخصاً، بينهم 22 حزبياً، و27 مستقلاً، وبالتالي هي أكثر الولايات التي تشهد ترشيحاً لرئاسة بلديتها.

التنافس ينحصر بين قوروم وإمام أوغلو

وعلى الرغم من كثرة المرشحين، فإن التنافس ينحصر بين مراد قوروم،  وهو مرشح حزب العدالة والتنمية صاحب أكثر الأصوات في إسطنبول في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ومرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو. ويدعم المرشح الأول حزب الحركة القومية، فيما يدعم مرشح "الشعب الجمهوري" بشكل غير رسمي حزب "ديم" الكردي على الرغم من تقديم الأخير لمرشح وعدم انسحابه.

وجرى الحديث في الفترة الأخيرة عن توافق مع "ديم" داخل إسطنبول وولايات أخرى، تكلل بترشيح مقربين من الحزب الكردي في عدد من المناطق، وتقديم أسماء كردية ضمن قوائم حزب الشعب الجمهوري لدخول المجلس البلدي في إسطنبول.

وبحسب الاتفاق وما تم تسريبه إعلامياً سيتمكن الحزب الكردي من تشكيل كتلة، تضم 20 مقعداً من أصل 311، داخل المجلس البلدي لإسطنبول، ما يسمح له المشاركة في النقاشات داخل اللجان، وهو ما لم يحصل سابقاً للحزب الكردي في إسطنبول، فضلاً عن التوافق على مرشح في منطقة أسنيورت ذات الغالبية الكردية، حيث تم ترشيح أحمد أوزر المقرب من "ديم" بدلاً من المرشح الأول علي غوكمان. في المقابل، امتنع الحزب الكردي عن تقديم مرشحين في عدد كبير من مناطق إسطنبول.

وترشح إلى انتخابات إسطنبول المحلية من حزب العدالة والتنمية مراد قوروم، ومن حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو، ومن حزب ديم الكردي ميرال دانش بيشتاش، ومن حزب الجيد بوغرا قاونجي، ومن حزب الرفاه من جديد محمد ألتن أوز.

أما مرشح أحزاب "النصر" فهو عزمي قره محمود أوغلو، و"البلد" إمره بيرك حاجي غوزلار، و"السعادة" بيرول أيدن، و"العدالة والوحدة" محرم موطلو، و"وحدة الأناضول" عثمان تكين، و"الوطن الأم" أوموت تشنار، و"تركيا المستقلة" جيهان أردوغان يلماز.

كما ترشح عن أحزاب "دواء" إدريس شاهين، و"اليسار الديمقراطي" نسيم باكر، و"الحقوق والحريات" مصطفى آيتاش، و"الأمة" حسن حسني غونار، و"الطريق الوطني" حسين إيشيك، و"أوجاق" فضلي بال، و"الحركة الشيوعية التركية" ضياء إنجه دره، و"تركيا الشيوعية" أورها نغوك دمير، و"الوطن" إبراهيم أوكان أوزكان، و"تركيا الجديدة" برهان الدين آكتورك.

المستقلون المرشحون إلى انتخابات إسطنبول المحلية هم وداد تايلان يلدز، وبلين أكبنار، وهوليا كاوفزلو قرمان، وإسحاق آكباي، ومروة قره طاش، ويوكسل أوزدان، وآدم بيرقدار، ومحمد علي آيدوغمش، وبراق أمره جتين، وميرهات تكين بوروسك، وأحمد صويتورك، وأورهان تشبي، وغوفن آكنجي، وأحمد بيركمان، ويشار بولات، وحبيب آكسو، ووداد أوزتورك، وغالب منتشه، وجمال تارانجه، وبولات أردوغان، وفاطمة رقيبة قاني قور لوغوغلو، وحسين دورماز، وسناء آكنجي، وأوغور إيتليك، وآتان بوزيايلا، وعمر كرفان، وعبد الله آغرلي.

مخاطر تحيق بقوروم وإمام أوغلو

ووفقاً لمراقبين فإن الصراع ينحصر بين قوروم وإمام أوغلو، في ظل مخاطر تحيق بكل مرشح، حيث خسر مرشح العدالة والتنمية حليفه "الرفاه مجدداً"، وهو حزب ينمو بسرعة بحسب زعيمه فاتح أربكان، الذي قال أخيراً، إن حزبه سيصبح قريباً ثالث أكبر حزب من خلال الأعضاء المنتمين له، بتجاوزه أكثر من نصف مليون عضو، وأنه سيحقق 20٪ من الأصوات عكس استطلاعات الرأي التي تعطيه ما بين 7 و8 ٪.

ويخشى حزب العدالة والتنمية هذا السيناريو، في وقت يخشى فيه حزب الشعب الجمهوري من تأثير عدم تلقيه دعماً من حلفائه، وأهمهم "الجيد" الذي تبلغ أصواته قرابة 8٪ أيضاً، ما يصعب على شركات استطلاع الرأي قياس الوضع في إسطنبول، حيث تظهر استطلاعات تقدم قوروم بنسبة 1 إلى 2٪ مقابل شركات أخرى تظهر تقدم إمام أوغلو بنفس النسب.

انتخابات إسطنبول المحلية حاسمة

وقال الكاتب والصحافي غونغور يافوز أصلان، لـ"العربي الجديد" إنه "ستكون انتخابات إسطنبول المحلية حاسمة بالطبع. وعقب تصريح أردوغان بعدم الترشح مرة أخرى في الانتخابات الرئاسية عام 2028، بعد قوله هذه هي انتخاباتي الأخيرة، سيكون للسياسة في تركيا وضع وشكل جديد، ولذلك فإن المناخ السياسي في الانتخابات الحالية سيؤثر على المناخ السياسي في الانتخابات (الرئاسية) المقبلة".

غونغور يافوز أصلان: المناخ السياسي في الانتخابات الحالية سيؤثر على المناخ السياسي في الانتخابات المقبلة

وأضاف: "تكتسب انتخابات إسطنبول المحلية أهمية، لأنها أكبر الولايات في البلاد ومركز السياسة والاقتصاد والإعلام، وبالتالي تؤثر على بقية الولايات الأخرى وأشكالها السياسية هناك".

وشرح التنافس السياسي بين المرشحين، قائلاً: "أعتقد أن الناخبين الذين لم يحسموا أمرهم بعد هم من سيحددون مصير الانتخابات. إن فرصة رئيس البلدية الحالي أكرم إمام أوغلو للفوز مرة أخرى موجودة طالما هناك صندوق اقتراع، لكن ما نراه الآن هو أن مراد قوروم في المقدمة في إسطنبول. لا أعتقد أنه سيكون لبقية المرشحين، على كثرتهم، مشاركة مؤثرة في السباق الانتخابي، بل سيدور السباق بين قوروم وإمام أوغلو".

من جهته، قال المحلل السياسي والصحافي إلياس قلجأصلان، لـ"العربي الجديد": "تعتبر انتخابات إسطنبول مهمة، لأنها تضم كتلة سكانية كبيرة، وأكبر مركز سياسي وتجاري وثقافي في تركيا".

وأضاف: "لقد كان هذا هو الحال دائماً في التاريخ السياسي التركي، أنقرة هي العاصمة لكن السياسة والتجارة والإعلام والأنشطة الاجتماعية والثقافية موجودة أيضاً في إسطنبول وتؤثر على كل تركيا. كما تأتي أهمية إسطنبول لأنها عبارة عن فسيفساء لتركيا، مع الهجرات التي تستقبلها".

وتابع قلجأصلان: "أجد أداء مراد قوروم ناجحاً، ومن الواضح أنه كان مستعداً لهذا، وهناك أيضاً التنظيم الحزبي الذي يقف وراء ذلك في حزب العدالة والتنمية عبر فريق حملة انتخابية يتمتع بخبرة كبيرة. أعتقد أن لديه فرصة للفوز بدعمهم".

وقال: "أما بالنسبة إلى أكرم إمام أوغلو فأعتقد أنه يتبع سياسة خاطئة منذ الانتخابات الأخيرة، لو قال: أنا رئيس بلدية إسطنبول وأنا تحت إمرة سكان المدينة، من دون الدخول في سجال السياسة العامة وسياسات حزب الشعب الجمهوري، أعتقد أنه كان سيفوز مرة أخرى، رغم الانقسام في تحالف الشعب المعارض، ويبدو أن حزب ديم الكردي سيدعمه بطريقة أو بأخرى". واعتبر أن "الانقسام في المعارضة والتوتر المستمر داخل حزب الشعب الجمهوري هما أكبر عقبة أمام إمام أوغلو" للفوز مجدداً برئاسة البلدية.

وقال: "لا أعتقد أن أياً من المرشحين الآخرين لديه فرصة للفوز. ويبدو أن حزب الرفاه من جديد قد زاد من أصواته بحسب استطلاعات الرأي، لكن هذا لا يكفي للفوز، ومع ذلك فإن حجم الأصوات التي يمتلكها قادرة على التسبب بخسارة حزب العدالة والتنمية".