العراق: "وحدة اغتيالات" لتصفية الناشطين المدنيين

17 ديسمبر 2020
فككت الحكومة أغلب ساحات الاحتجاج (فرانس برس)
+ الخط -

على الرغم من تفكيك حكومة رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، أغلب ساحات الاحتجاج ورفع خيام المعتصمين في جنوب ووسط العراق والعاصمة بغداد بطرق ووسائل مختلفة، من بينها الاعتقالات وتطويق الساحات والسكوت عن استهداف المليشيات للمحتجين، إلا أن عمليات اغتيال الناشطين المدنيين في العراق لم تتوقف. واتخذت تلك العمليات أخيراً شكلاً منظماً، مع استهداف الوجوه البارزة والمؤثرة في الحراك المدني العراقي.
وارتفع عدد الناشطين المدنيين المُغتالين منذ شهر أغسطس/آب الماضي إلى 19 ناشطاً، مع بلوغ عدد محاولات الاغتيال 29 محاولة، فضلاً عن خطف 7 ناشطين. وتصدّرت بغداد والبصرة وذي قار قائمة أكثر المدن التي سُجّلت فيها الاعتداءات. وهو ما دفع أكثر من 200 ناشط ومدوّن وصحافي، من المحسوبين على الخطاب المدني العراقي، إلى مغادرة مدنهم نحو إقليم كردستان العراق أو تركيا ولبنان، لاعتبارات تتعلق بسهولة دخول حَمَلَة جوازات السفر العراقية إلى كلا البلدين، ضمن إجراءات استباقية منهم أو بسبب تلقّيهم تهديدات بالقتل.

ووقعت آخر تلك الاغتيالات، مساء أول من أمس الثلاثاء، باغتيال الناشط المدني صلاح العراقي، أحد أبرز وجوه ساحة التحرير في العاصمة، وصاحب شعار "العراق المدني خيارنا" الذي اعتُمد في الاحتجاجات. واغتيل العراقي في منطقة بغداد الجديدة، شرقي العاصمة، على يد مسلّحَين غير ملثمين، بإطلاق خمس رصاصات عليه، ثلاث منها في الرأس، من مسافة أقل من متر، ثم غادرا في سيارة "كورولا" بيضاء اللون. وحصلت الحادثة على مقربة من حاجز تفتيش للشرطة الاتحادية العراقية، التي لم تتحرّك لإلقاء القبض على المجرمين. والمفارقة أن السيارة المُستخدمة بالهجوم هي نفسها التي تم استخدامها قبل أقل من شهر، في استهداف ناشطَين مَدَنيين شرقي بغداد، وأسفرت عن إصابة أحدهما.


وقعت 29 محاولة اغتيال منذ شهر أغسطس قُتل فيها 29 ناشطاً

ولم تنجح حكومة الكاظمي في الكشف عن أي جريمة من جرائم القتل، في ظلّ عدم توصّل اللجان التي تُشكّل بعد كل جريمة إلى أية نتائج تُذكر، باستثناء جريمة اغتيال الخبير الأمني العراقي هشام الهاشمي، التي أُعلن فيها عن تهريب المنفّذين إلى خارج العراق، من دون الإشارة إلى هويتهم ومن قام بتهريبهم والجهة التي يرتبطون بها.

وفي السياق، يكشف ضابط بارز في وزارة الداخلية، عن وجود ما يصفها بـ"وحدة اغتيالات خاصة"، لتتبع الناشطين والشخصيات المؤثرة في الخطاب المدني العراقي بغية التخلص منها، في تطور واضح وممنهج بعمليات الاغتيال. ويشير في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى وجود مؤشرات عدة حول وقوف وحدة، أو فريق اغتيالات، خلف كل عمليات الاغتيال الأخيرة. ويعتبر أن المجرمين يتحركون بموجب خارطة عمل لاستهداف الناشطين المدنيين، بغية القضاء على الظاهرة بالكامل.

ويلفت الضابط إلى أن الجهة التي تقف خلف عملية الاستهداف تعمل بإمكانات مشابهة لإمكانات الدولة، بسبب امتلاكها سيارات وأسلحة وهويات للمرور وتسهيل تنقّلها. ولا يفرّق بين فرق الاغتيالات والجهة التي تُطلق صواريخ "كاتيوشا" على السفارة الأميركية بالمنطقة الخضراء في العاصمة أو مطار بغداد الدولي، لأن المتورطين هم أفراد بمليشيا منضوية ضمن "الحشد الشعبي". ويؤكد أن المعلومات المتحصلة لدى السلطات الأمنية كلها تصبّ في هذا الاتجاه، وهناك أسماء وجهات معروفة متورطة بالملف ترتبط بـ"كتائب حزب الله"، وفصائل أخرى قريبة منها، لكن الاعتبارات سياسية تمنع حكومة الكاظمي الكشف عنها.

في المقابل، يشدّد الناشط أحمد حقي على وقوف جهة واحدة مرتبطة بإيران، خلف عمليات الاغتيال المتكررة في بغداد والمدن الأخرى، مضيفاً في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، بأن "من يتم تهديدهم هم من يُراد تخويفهم لإسكاتهم فقط، وفي حال لم يسكت الشخص يتم قتله، أما من يقررون التخلص منه، فيستهدفونه مباشرة من دون مقدمات". ويشير إلى أنه هرب إلى أربيل، بسبب تلقيه تهديداً هاتفياً من رقم "مجهول وغير مسجل في شركات الاتصالات"، لافتاً إلى أن زميلاً له في طريقه للانضمام إليه في عاصمة إقليم كردستان العراق.


يتحرّك القَتَلَة علناً من دون أن تتحرّك الأجهزة الأمنية لتوقيفهم

ويعتبر حقي أن "الحكومة باتت غطاء لعمليات القتل الممنهج للناشطين، مع اتخاذ الكتل والأحزاب السياسية موقفاً متفرجاً، بسبب مصلحتها في عدم حدوث أي تغيير بالمشهد السياسي مع المليشيات والجماعات المسلحة". وبرأيه فإن رئيسة بعثة الأمم المتحدة في بغداد، جانين بلاسخارت، تحاول "التغاضي عن الجرائم التي يتعرض لها المدنيون، وهي تهدف إلى إجراء الانتخابات من أجل احتسابها إنجازاً لها لا أكثر".

من جهته، يرى الخبير أحمد النعيمي، أن "الغاية من استهداف الناشطين انتقلت من إخماد التظاهرات إلى قرار بالتخلص من المعارضة المدنية لحكم الأحزاب الدينية في البلاد". ويضيف في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، بأن "عمليات الاستهداف أثبتت أن الأحزاب الحالية الحاكمة لا تريد مشاركة أحد معها بالعملية السياسية. ومن المؤكد أنهم يرون في التيار المدني أو اللا ديني عموماً، الخطر الحقيقي الأكبر عليهم من داخل العراق، بسبب إشاحة الشارع العراقي أنظاره عنهم بعد تجربة امتدت لنحو 18 عاماً، لم يحصل فيها العراقيون إلا على المشاكل والأزمات المختلفة والتشتت والانقسام، والكراهية والتباغض، عدا عن الفقر والبطالة والفساد".

ويعتبر النعيمي أن الذين يستهدفون الناشطين في العراق، يدركون أن المنطقة عموماً صارت قابلة لحدوث انتهاكات كثيرة من دون محاسبة أو مساءلة، أقلّه من مجلس الأمن والأمم المتحدة، بسبب تجربة ممتدة لعشر سنوات من الجرائم في سورية والعراق، وأخيراً باليمن وليبيا". ويشير إلى أن "المليشيات التابعة لإيران تدرك أن الأحزاب قلقة وتخشى المدنيين وصعودهم الواضح بالعراق، لذا يمكن اعتبار ما تقوم به تلك المليشيات بمثابة مصلحة متبادلة بين الأجنحة السياسية والمليشياوية في العراق".