الجزائر في قلب استقطاب حاد: محاولة تحقيق توازن صعب

05 فبراير 2023
تبون وميلوني في الجزائر، 23 يناير الماضي (الأناضول)
+ الخط -

دخلت الجزائر ضمن دائرة استقطاب دولي وإقليمي حاد، في ظل تطورات الأزمة الدولية المتصلة بالحرب في أوكرانيا، وباستحقاقات إقليمية متعددة.

وتبدو مؤشرات هذا الاستقطاب بوضوح في سلسلة وقائع متزامنة، كإرجاء زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى موسكو، التي كانت مقررة في يناير/ كانون الثاني الماضي إلى مايو/ أيار المقبل، وحديث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن الضغوط الغربية عليها، والاتصالات المتسارعة وزيارات مسؤولين غربيين إلى الجزائر.

وتحدث لافروف، في حوار مع قناة "روسيا اليوم" الروسية، الخميس الماضي، عن العلاقات الروسية الجزائرية، وعن تعرّض الجزائر لضغوط أميركية، تخص موقفها من الأزمة في أوكرانيا.

لكن حديث لافروف الذي مرّ من دون تعليق من الجانب الجزائري، وجاء متزامناً مع تحديد موعد لزيارة تبون إلى موسكو في مايو المقبل، بعدما كانت متوقعة في يناير، واتصاله هاتفياً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كلها تطورات تزامنت مع اتصال هاتفي لنائبة وزير الخارجية الأميركي ويندي شيرمان، بنظيرها الجزائري رمطان لعمامرة، الأربعاء الماضي.

وبحسب بيان وزارة الخارجية الأميركية أعربت شيرمان عن "امتنانها لمساهمات الجزائر في حل النزاعات الإقليمية"، وأشارت إلى "التداعيات العالمية للعدوان الروسي غير المبرر على أوكرانيا وأهمية الدعم الدولي لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة بشأن احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها". ويُفهَم من ذلك تلميح واشنطن إلى أن الجزائر، التي تؤدي دوراً في حلحلة أزمات في المنطقة، لا يجب أن تكون طرفاً في أزمة دولية، هي الحرب في أوكرانيا.

الجزائر في صلب الاستقطاب الحاد

وبرأي مراقبين، فإن هذا الاستقطاب الحاد الذي تتمركز فيه الجزائر، بين قطبي الصراع الدولي الراهن، والذي تمثل الحرب في أوكرانيا أبرز مظاهره، يعكس في الواقع السياسي أهمية الجزائر وثقل موقفها الإقليمي، ورغبة كل طرف في كسب الموقف لصالحه وزيادة مستوى التمركز إلى جانب الجزائر، خصوصاً في ظل أزمة الطاقة والمخاوف من تعقّد هذه الأزمة في المستقبل.


علي لكحل: في الظرف الحالي الغرب بحاجة لتحييد الموقف الجزائري

ويقول خبراء في الشأن السياسي والعلاقات الدولية إن واشنطن والقوى الغربية تدرك مدى الارتباط القوي بين الجزائر وموسكو، ولذلك فإنها تدرك أنه من الصعوبة بمكان دفع الجزائر إلى اتخاذ مواقف مناوئة لموسكو.

لكنها تتطلع إلى تحييد الجزائر على الأقل، ومنع حصول مزيد من الصفقات العسكرية مع موسكو والتي توفر تمويلاً للحرب في أوكرانيا، بحسب الأميركيين، خصوصاً مع استقلالية نسبية للقرار السياسي والاقتصادي الجزائري، نتيجة الأريحية المالية المتوفرة لها جراء ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الطلب الأوروبي أخيراً على الغاز الجزائري.

ولفت أستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر، علي لكحل، في حديثٍ مع "العربي الجديد"، إلى أن "الدول الغربية تدرك أن الضغط على الجزائر لا يؤدي إلى أي نتيجة، فالجزائر ليست في حاجة ماسة إلى الغرب بحكم تنوع علاقاتها".

وأضاف: "اختارت الجزائر منذ فترة آلية التعدد في العلاقة الخارجية، مع الصين وتركيا، مع أميركا وروسيا، وإيطاليا وفرنسا، والاحصائيات الاقتصادية تؤكد بوضوح هذا التنوع". وتابع: "في الظرف الحالي الغرب بحاجة لتحييد الموقف الجزائري، والرئيس تبون قال بكل وضوح إن كل الأطراف صديقة للجزائر إلا من أراد أن يجعل من الجزائر عدواً له فهو حر".

عز الدين زحوف: الجزائر لا تخلّ بقواعد العلاقات الدولية

ورأى لكحل أن "برمجة زيارة الرئيس تبون إلى موسكو، وتوجّه الجزائر في المدى المنظور إلى مجموعة بريكس (التي تضم روسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا والصين)، والتي تمثل 30 إلى 40 في المائة من الاقتصاد العالمي، تشكل مزيداً من الضغوط على الجانب الغربي للسعي لمزيد من التقارب مع الجزائر، لتحييد موقفها".

واعتبر أن "هذا ما يفسر سلسلة الزيارات لكبار المسؤولين الغربيين إلى الجزائر في الفترة الأخيرة، ومنهم رئيسة الحكومة الإيطالية (جورجيا ميلوني)، والأمينة العام للخارجية الفرنسية (آن ماري ديسكوت)"، مستبعداً أن تصل العلاقات بين الجزائر والولايات المتحدة إلى مرحلة القطيعة لاعتبارات تاريخية وأمنية.

البحث عن نقطة توازن

ويقول مراقبون إن إدراك الجانب الجزائري واستشعاره لتزايد الضغوط على البلاد، ودخول الأزمة الدولية مرحلة الذروة، مع الاستقطاب الحاد، تبقى من أبرز العوامل التي دفعت الجزائر إلى اختيار إرجاء زيارة تبون إلى موسكو، تجنّباً لمزيد من الضغوط الغربية، ولكل تأويلات يفهم منها انحياز الجزائر إلى جانب موسكو وخروجها عن خط الحياد السياسي الذي تعبر منه.

واللافت أن اختيار هذا التاريخ لم يكن صدفة، إذ إنه يتزامن مع زيارة سيقوم بها تبون في الشهر نفسه إلى باريس، ما يستهدف إعطاء نوع من التكافؤ والبحث عن نقطة توازن في العلاقات مع طرفي الأزمة الدولية الراهنة.

وقال عضو لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الجزائري عز الدين زحوف، لـ"العربي الجديد"، إن "الجزائر تقع فعلاً في نطاق الاستقطاب الحاد دولياً، لكن الظاهر أنها تدير الموقف بصورة عقلانية، وبتوازن تفرضه مصالحها الاستراتيجية، ومن دون أي إخلال بقواعد العلاقات الدولية".

وأضاف أن "الجزائر تستمر من جهة في علاقاتها مع موسكو وفقاً لمصالحها الاقتصادية، ومن الجانب المقابل، تبدي تعاوناً كبيراً مع أوروبا في مجال إمدادات الطاقة".

وتابع: "هذا الأمر كما يجعل الجزائر مستقلة في تعاونها مع روسيا، فإنه يجعلها أيضاً شريكاً موثوقاً وحيوياً بالنسبة للغرب، بخلاف ما تسعى له مجموعات الضغط الأميركية التي تريد أن تصور مواقف وعلاقات الجزائر مع روسيا على أنها دعم لآلة الحرب الروسية في أوكرانيا". واعتبر زحوف أنّ "الجزائر يمكن أن تستفيد من هذا الاستقطاب لتحقق أكبر المصالح والمكاسب لصالحها ولمصالحها الاقتصادية والأمنية، من دون أن تتنازل عن محددات استقلال قرارها الوطني وثقلها الإقليمي".