الانتخابات الإسرائيلية الرابعة (2): متاهة الجنرالات في كواليس السياسة

26 ديسمبر 2020
مصير غانتس مشابه لما واجه العديد من الجنرالات (فرانس برس)
+ الخط -

دخل الحياة الحزبية الإسرائيلية أكثر من عشرين جنرالاً

كان حزب العمل الهدف والبيت الأول الذي اختاره جنرالات إسرائيل

شارون أول جنرال اختار بعد مسيرته العسكرية أن يخوض غمار السياسة

يعيد المسار القصير جداً للجنرال بني غانتس، رئيس حزب كاحول لفان، ورئيس الحكومة البديل، في السياسة الإسرائيلية، والذي يبدو أنه وصل إلى نهايته من حيث كونه شخصية مفتاحية في السياسة الإسرائيلية، إلى الأذهان مساراً مشابهاً كان من نصيب كثير من رجال الجيش الإسرائيلي والجنرالات "العاديين" ورؤساء الأركان الذين خاضوا في السياسة الإسرائيلية منذ تأسيس دولة الاحتلال في سنواتها الأولى، وتم إبقاؤهم في ظل رئيس الحكومة المؤسس دافيد بن غوريون، الذي سعى إلى إبقاء وزارة الأمن بين يديه. 
ومنذ إقامة دولة الاحتلال على أنقاض الشعب الفلسطيني، دخل الحياة الحزبية الإسرائيلية أكثر من عشرين جنرالاً، بدأ أغلبهم حياتهم السياسية المدنية في حزب العمل بمختلف مسمياته، من "أحدوت هعفودا" وحتى "يسرائيل أحات"، وهو الاسم الذي خاض تحته إيهود باراك انتخابات رئاسة الحكومة عام 1998. فإلى جانب يسرائيل غاليلي، لمعت في سماء الحكومات الإسرائيلية من الأولى وحتى الحكومة السابعة عشرة، عام 1974، أسماء جنرالات مثل موشيه ديان وحاييم بارليف، لكنهم جميعاً تولوا وزارات غير مهمة بالضرورة، باستثناء الجنرال موشيه ديان، الذي فرضت قيادة حزب مباي على أشكول ليفي تعيينه وزيراً للأمن قبيل أيام معدودة من حرب يونيو/ حزيران عام 1967 بفعل حسابات داخلية هدفت أساساً إلى ضرب ليفي والتخلص منه على رأس الهرم.

كان رابين أول جنرال يستطيع التغلب على التنظيم الحزبي

لكن التغيير الأساسي في سياق النظرة الإسرائيلية إلى "الخلاص" من خلال قادة أركان سابقين بدأ في العام 1974، ومرة أخرى بفعل حسابات المعسكرات الداخلية في حزب مباي، عندما انتصر إسحاق رابين، جنرال حرب يونيو، على الرغم من أنه لم يكن قد قضى في الحزب أكثر من عام واحد، على شمعون بيرس، الذي اعتبر خليفة بن غوريون فيما كان الحزب قد ملّ من سطوة الأخير. تفوق رابين على بيرس بـ44 صوتاً، مع أنه كان حديث العهد في حزب كان يقدس الحياة والعطاء الحزبيين. تمكن رابين بعد استقالة غولدا مئير من الفوز في انتخابات 1974 وتشكيل حكومته الأولى.
لم تدم حكومة رابين الأولى أكثر من 3 سنوات بعدما اضطر إلى الاستقالة عقب اكتشاف قيام زوجته ليئاة رابين بالاحتفاظ بحساب في أحد المصارف الأميركية. خرج رابين ومعه الحزب إلى المعارضة، وظل يخسر أمام بيرس في الانتخابات الداخلية للحزب حتى العام 1992، حيث تمكن من الانتصار عليه، مرة أخرى من خلال استغلال مشاعر الخائبين من شمعون بيرس داخل الحزب واستمالتهم إلى جانبه.

كان رابين أول جنرال ورئيس أركان يستطيع التغلب على التنظيم الحزبي، بفعل الخلافات الداخلية، لكن فوزه أول مرة في رئاسة الحكومة، فتح الطريق أمام مسار السياسة الحزبية لرؤساء أركان وجنرالات آخرين لخوض غمار السياسة. وهكذا انضم بعد رابين، جنرالات ورؤساء أركان آخرون لأحزاب على أمل الفوز بالمنصب الرفيع، سواء لرئاسة الحكومة أو وزارة الأمن.
وكان حزب العمل الهدف والبيت الأول الذي اختاره جنرالات إسرائيل، فانضم للحزب على مر السنين: حاييم بارليف، وموطيه غور، وفؤاد بنيامين بن إليعزر، وأوري أور، وإيهود باراك.

معظم الجنرالات بدأوا حياتهم السياسية في حزب العمل
 

كان باراك ثاني رئيس أركان يتمكن من الفوز برئاسة حزب العمل، ومن الفوز برئاسة الحكومة عندما تغلب عام 1998 على بنيامين نتنياهو. لكن باراك، وعلى الرغم من كونه أكثر عسكري إسرائيلي حاصل على أوسمة عسكرية، فشل في قيادة دفة الحكومة والسيطرة على المشهد الداخلي لحزبه، فاتجه إلى انتخابات جديدة لرئاسة الحكومة، من دون حل الكنيست. وقع باراك، مثل رابين في ولايته الأولى، بخطأ الغرور بأن رصيده العسكري سيكون ضمانة له لأن يصوت الإسرائيليون له، ناسياً أن خصمه في تلك الانتخابات عام 2001، أرئيل شارون، والذي تزعم الليكود بعد انسحاب بنيامين نتنياهو المؤقت من الحياة الحزبية، أكثر دموية منه وأكثر تمرساً في السياسة الحزبية وكواليسها من جهة. ومن جهة ثانية أغفل باراك توجه فلسطينيي الداخل إلى معاقبته ومقاطعة الانتخابات نتيجة سياسته في الملف الفلسطيني العام ومسؤوليته عن سقوط 13 شهيداً من أبنائهم في هبة القدس والأقصى عام 2000.
كان شارون أول جنرال اختار بعد مسيرته العسكرية أن يخوض غمار السياسة من خارج حزب العمل، فشكّل حزب شلوم تسيون بعد حرب 1973، ثم تحالف مع حركة حيروت بقيادة مناحيم بيغن، وحزب الليبراليين الأحرار لتشكيل الليكود، وليكون أول جنرال وعسكري يمد اليمين بالمسوغات العسكرية لرفض حل "التسوية الإقليمية ومبدأ الأرض مقابل السلام"، بعد أن كانت مثل هذه المسوغات العسكرية متوفرة بالأساس لحزب العمل. ومع أن شارون حظي بتعيينه وزيراً للأمن في حكومة بيغن، إلا أن دوره في مجازر صبرا وشاتيلا، خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وقرار لجنة "كوهين"، وهي لجنة التحقيق الرسمية الإسرائيلية، بإقالته من منصبه، جعله يمضي ردحاً من الزمن لا يستطيع أن يكون مرشحاً لرئاسة الحكومة عن اليمين، إلى أن جاءته الفرصة بعد خسارة نتنياهو لصالح باراك، وتزعمه الليكود وخوض الانتخابات لرئاسة الحكومة مقابل إيهود باراك والتغلب عليه، ثم في العام 2005 تشكيل حزب كديما مع شمعون بيرس وتسيبي ليفني، بعد الانشقاق عن الليكود.
عملياً، يمكن القول إنه بين رابين وباراك وشارون، شهدت الساحة الحزبية الإسرائيلية "مساراً مدنياً مكمّلاً" لجنرالات سابقين في الجيش، منهم من جرّب حظوظه أيضاً في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، بعيداً عن الليكود والعمل، مثل الجنرال يغئال يادين، الذي شكل أول حزب وسط في إسرائيل، تحت اسم داش، عام 1976، والجنرال موشيه ديان، وعيزر فايتسمان، ورفائيل إيتان، وحتى أفيغدور كهلاني، الذي شكل حزباً تلخص برنامجه الأساسي بمعارضة أي انسحاب من هضبة الجولان السوري المحتل.
ولاحقاً في بداية التسعينيات، انخرط جنرالات آخرون في العمل الحزبي، بعد أن أصبح وجود "نجوم العسكر" جزءاً أساسياً من المشهد الحزبي في إسرائيل، ومن أبرزهم: يتسحاق مردخاي، الذي كان وزير أمن في حكومة نتنياهو الأولى، والجنرال أمنون ليفكين شاحاك، الذي كان شريكاً في حزب المركز بقيادة يتسحاق مردخاي، ودان مريدور، ولاحقاً بعد شارون، ومن خلال حزب كاديما نفسه، حاول رئيس الأركان شاؤول موفاز في عام 2012 التنافس ضد نتنياهو لكن الحال انتهى به وزيراً بلا حقيبة في حكومة نتنياهو عام 2012 لفترة لم تزد عن سبعين يوما ثم اعتزل الحياة السياسية عام 2015.
ومع أن حزب العمل حاول استعادة عافيته بعد سقوط باراك بالاعتماد مرتين على جنرالين سابقين، هما عميرام متسناع وبن إليعزر، إلا أن محاولاته باءت بالفشل هي الأخرى. وحتى الجنرالات الذين انضموا لليكود في الأعوام الأخيرة، وعلى رأسهم موشيه يعالون، لم ينجحوا في إزاحة نتنياهو، أو الوصول لرأس الهرم. ويمكن القول مع بعض الحذر، إن فشل تجربة كاحول لفان بقيادة الجنرالين بني غانتس وغابي أشكنازي هو مؤشر لبدء تحول في المشهد الحزبي الإسرائيلي بعيداً عن الرتب والأوسمة العسكرية بعدما أبدوا عدم خبرة وتاهوا أكثر من مرة في كواليس الأحزاب ودهاليزها من دون أن يوفروا البضاعة (الوعود) التي تعهدوا بها، من جهة، ولأن مصير الضفة الغربية المحتلة ومسالة التسوية الإقليمية ومعادلة الأرض مقابل السلام من جهة أخرى، لم تعد المعيار الأساسي الموجه للناخب الإسرائيلي، وبات بقاء الاحتلال أمراً بديهياً ولا يلزم سوى "تبييضه" سياسياً ودبلوماسياً.