"حرب مجازر" بين روسيا والغرب في مالي

23 ابريل 2022
تستكمل القوات الفرنسية تسليم قواعدها في مالي (فلوران فرنييه/فرانس برس)
+ الخط -

لم يكن إعلان الجيش الفرنسي، أمس الجمعة، أن لديه دليلاً موثّقاً حول محاولة روسيا شنّ "هجوم إعلامي" على فرنسا، وتوريط الجيش الفرنسي في "مجزرة مفبركة" في قاعدة غوسي الواقعة شمالي البلاد قبل استكماله انسحابها منها الذي جرى قبل أيام، مفاجئاً لباريس، التي أكدت أنها كانت تحسبت جيّداً لاتهامات محتملة من هذا النوع.

ويأتي الإعلان الفرنسي الجديد، بعدما خرجت اتهامات غربية وأممية ومن منظمات حقوقية عالمية، بداية شهر إبريل/نيسان الحالي، بارتكاب عناصر من قوة مرتزقة "فاغنر" الروسية، المتواجدة في مالي، مجزرة هي الأكثر دموية في مالي منذ عقد. ويتهم مرتزقة "فاغنر" بإعدام 300 شخص دفعة واحدة، نهاية مارس/آذار الماضي، في إحدى البؤر التي يحارب فيها الجيش المالي "الجهاديين"، بدعم روسي هذه المرّة.

وتدخل "حرب المجازر" بين روسيا من جهة، وفرنسا والمجتمع الغربي من جهة أخرى، في نطاق أوسع، يمتد من سورية إلى أوكرانيا، مروراً بأفريقيا الوسطى ومالي وليبيا، حيث يتوسع النفوذ العسكري الروسي على حساب الغرب، وسط صراعات النفوذ وإعادة تشكيل خريطة الهيمنة العالمية.

وتتهم روسيا بارتكاب مجازر حرب قد تصل إلى حدّ "الإبادة" خلال اجتياحها لأوكرانيا، فيما تتحول مالي ودول أفريقية أخرى بات للروس موطئ قدم فيها إلى "ساحات مغلقة"، قد يصعب على الجهات الدولية التي تسعى إلى إجراء تحقيقات شفّافة في اتهامات بانتهاكات حقوقية واسعة أن تنجح في سعيها.

صوّر الجيش الفرنسي ما يقول إنهم مرتزقة روس يدفنون جثثاً قرب قاعدة غوسي في شمالي مالي

في غضون ذلك، وبضجيج أقلّ، تمّ الكشف أمس عن اتفاق تعاون عسكري جديد بين روسيا والكاميرون، وقّعه الأسبوع الماضي كل من وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو ونظيره الكاميروني جوزيف بيتي أسيمو، في موسكو. وتؤكد الوقائع أن موسكو، الغارقة في لهيب الحرب الأوكرانية لا تزال تعمل على توسيع نفوذها العسكري وقوتها الخشنة في أكثر من بؤرة في العالم، لاسيما في أفريقيا.

"مجزرة مفبركة" للجيش الفرنسي في مالي

وصوّر الجيش الفرنسي ما يقول إنهم مرتزقة روس يدفنون جثثاً قرب قاعدة غوسي في شمالي مالي، بهدف اتهام الفرنسيين بترك مقبرة جماعية وراءهم. ويظهر في الفيديو الذي صُوّر بطائرة مسيرة واطلعت عليه وكالة "فرانس برس"، جنوداً من القوقاز منشغلين حول جثث يغطونها بالرمال. وقد وصفت هيئة الأركان الفرنسية ما تم التخطيط له بأنه "هجوم إعلامي".

موقف
التحديثات الحية

وفي موازاة ذلك، نشرت صور على حساب "تويتر" لرجل يُدعى ديا ديارا يصف نفسه بأنه "جندي سابق ووطني مالي". ونشرت على هذا الحساب صورة مشوشة لجثث مدفونة في الرمال مع تعليق "هذا ما تركه الفرنسيون وراءهم عندما غادروا القاعدة في غوسي. لا يمكننا السكوت على ذلك". لكن الأركان الفرنسية قالت إن حساب ديا يارا مزّيف على الأرجح أنشأته مجموعة "فاغنر" الروسية الخاصة، مضيفة أن "هذه المناورة لتشويه سمعة قوة برخان (الفرنسية في مالي منذ 2013)، تبدو منسقة. إنها تمثل الهجمات الإعلامية المتعددة التي يتعرض لها العسكريون الفرنسيون منذ أشهر".

وأوضح الجيش الفرنسي أن "مقارنة بين الصور المنشورة على تويتر والصور التي تمّ جمعها بواسطة جهاز الاستشعار المتخصص، تسمح بالربط بشكل مباشر بين ما يفعله مرتزقة فاغنر وما ينسب خطأً إلى الجنود الفرنسيين". ورأى أن "هذه الممارسات تدل على أساليب العمل التي يتبعها مرتزقة فاغنر وسُجلّت في جمهورية أفريقيا الوسطى منذ انتشارهم، وندّدت بها منظمات دولية وأخرى غير حكومية".

وفي إطار انسحابه من مالي الذي أعلن في فبراير/شباط الماضي، سلّم الجيش الفرنسي القوات المسلحة المالية رسمياً يوم الثلاثاء الماضي، قاعدة غوسي التي كانت تضم 300 جندي فرنسي. وحذّرت هيئة الأركان الفرنسية الثلاثاء من هجمات دعائية لمناسبة تسليم القاعدة، فيما أكد المتحدث باسمها الكولونيل باسكال إياني، إنه تمّ إعداد تقرير عن وضع المكان "لتوثيقه" لحماية فرنسا من اتهامات محتملة.

ويشير إياني بذلك، ليس فقط إلى ما يمكن أن تخطط له "فاغنر"، بل إلى المشاعر المعادية للفرنسيين التي انتشرت في المنطقة وجعلت فرنسا موضوع حملات تشويه على شبكات التواصل الاجتماعي. وذكّر الكولونيل الفرنسي بأنه "قبل أشهر، اتُهمت القوات الفرنسية بالمشاركة في التهريب وتسليح الإرهابيين، وحتى ارتكاب انتهاكات".

مجزرة جماعية لـ"فاغنر" في مورا

وفي مقابل ما يقول الفرنسيون إنها محاولة لتوريطهم في مجزرة مفبركة، كان مرتزقة فاغنر يواجهون بداية الشهر الحالي اتهامات ترتبط بما يمكن أن يعد في حاله ثبوته، أكثر المجازر الدموية على الإطلاق التي قد تكون نفذّت مرة واحدة في مالي منذ أكثر من عقد، تاريخ التدخل الدولي (الفرنسي)، لمحاربة المجموعات المسلحة ثم "الجهاديين".

وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، قد أكدت في 5 إبريل الحالي، أن القوات المالية ومرتزقة روسا على الأرجح تورطوا بتصفية حوالي 300 رجل خلال خمسة أيام في نهاية مارس الماضي، وذلك في قرية مورا في منطقة موبتي، التي لا يتخطى عدد سكانها الـ10 آلاف نسمة. وتعدّ موبتي مركزاً لنشاط المجموعات المتطرفة التي يهمين تنظيم "القاعدة" عليها، والتي امتد نشاطها إلى الدول المجاورة لمالي في منطقة الساحل (خصوصاً بوركينا فاسو والنيجر).

أكدت "هيومن رايتس ووتش" تورط القوات المالية ومرتزقة روس بتصفية حوالي 300 رجل في قرية مورا

وبحسب "رايتس ووتش"، فإن عملية الإعدام الجماعي حصلت بين 27 و31 مارس، بعد إنزال بالهليكوبتر لقوات مالية ومن "فاغنر"، واشتباكات مع "جهاديين". وروى 12 شاهد عيان للمنظمة الحقوقية، كيف قامت القوات الروسية غير النظامية بجمع الرجال في البلدة عشوائياً وإعدامهم على دفعات. وأكد الشهود أن القوات "التي كانت تتحدث بلغة غير مفهومة" قامت باقتياد رجال في القرية كانوا وفدوا إليها لحضور السوق الأسبوعي.

وكانت القوات المالية قد أعلنت في ذلك التاريخ، أنها قتلت 200 "مسلح إسلامي" في عملية في مورا، بعدما تلقت معلومات عن اجتماع للمجموعات المتمردة، ولاحقاً قالت إنها ستحقق في معلومات حول أي انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان. لكن مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، الذي فتح تحقيقاً في المسألة، أعرب الأربعاء الماضي عن أسفه لأن السلطات المالية لم تسمح بعد لمحققي بعثة الأمم المتحدة بالتوجه إلى مورا للتحقيق في الواقعة. وقال المتحدث باسم مكتب حقوق الإنسان الأممي، سيف ماغانغو، إن شهادات شهود غير مؤكدة تقول إن حصيلة القتلى من المدنيين قد تصل إلى 500 رجل.

وكان الاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة قد أبدوا قلقهم من تقرير "رايتس ووتش"، مطالبين الطغمة العسكرية الحاكمة في مالي منذ 2020 بالتعاون للكشف عن ملابساتها ومحاسبة المتورطين. من جهتها، أبدت بعثة الأمم المتحدة في مالي يوم الأربعاء الماضي، قلقها، من تقارير حول انتهاكات حقوقية ارتكبها الجيش المالي ترافقه قوات أجنبية في سوق شعبية أسبوعية في قرية هومبوري في شمال مالي.

في غضون ذلك، تأكد أول من أمس الخميس، مقتل أول "عسكري" روسي في عملية مع جنود ماليين، وذلك في انفجار وسط مالي. ونقلت وكالة "فرانس برس"، عن مصدر أمني، قوله إن وحدة مؤلفة من جنود ماليين و"مدربين روس" تعرضت لهجوم بعبوات ناسفة صباح الثلاثاء الماضي قرب هومبوري، مضيفاً أن الانفجار أسفر عن سقوط "قتيل" هو "مدرب روسي" توفي متأثرا بجروحه بعد إجلائه جواً إلى منطقة سيفاري في جنوب شرق البلاد، فيما قال الغرب وخصوصاً فرنسا والولايات المتحدة إنه أحد "مرتزقة" مجموعة فاغنر الروسية الخاصة.

وأكد مصدر طبي للوكالة وفاة الجندي الروسي في سيفاري، موضحا أن "الآلية التي كانت تقله مع جنود ماليين مرّت فوق لغم". وقال مسؤول منتخب في وسط مالي، إن العسكري الروسي قتل في موبتي، حيث يبدو أن العمليات تتركز هناك، فيما قال مصدر عسكري في سيفاري إن مقتل الجندي الروسي حصل بعد تعرض وحدته لـ"نيران عدوة".

وبموازاة ذلك، واصل المجلس العسكري في مالي، الذي يقوده الكولونيل أسيمي غويتا، تحدي المجتمع الدولي والأفريقي، معلناً الخميس عن تمسكه بإطلاق "عملية" انتقالية لمدة عامين قبل إجراء انتخابات.

(العربي الجديد، رويترز، فرانس برس)

تقارير دولية
التحديثات الحية