اليمين وهالة ستيف بانون

03 نوفمبر 2018
+ الخط -
لم يكن انتخاب اليميني المتطرّف جايير بولسونارو، رئيساً للبرازيل، يوم الأحد الماضي، سوى محطةٍ أولى في سلسلةٍ متلاحقة من سيطرةٍ يمينيةٍ مقبلة، سواء في أميركا الجنوبية أو في أوروبا. سيطرة تفسح المجال أمام تصوّر عالمٍ يسودُه يمينٌ حاكم في معظمه، بشعارات الأنظمة العسكرية التي حكمت بين خمسينيات القرن الماضي وثمانينياته، في ظل أخطاء اليسار الكبيرة في عدم معالجة الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، وانغماسه في دائرة الفشل الإداري. كما أن التركيز على "بطولة" فردٍ أدت إلى تقليد اليمين في محطاتٍ كثيرة، خصوصاً في قضية الرئيس البرازيلي الأسبق، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي اعتبر نفسه "مظلوماً" في وقتٍ حكم عليه القضاء بالسجن 12 عاماً.
سيجد اليمين الصاعد في أميركا الجنوبية له أصداءً في أوروبا. هناك يتمركز ستيف بانون، الذي كان كبير مستشاري البيت الأبيض للشؤون الاستراتيجية، وتحديداً في العاصمة البلجيكية بروكسل. يعمل بانون على تمتين الجبهات اليمينية في مختلف البلدان الأوروبية، قبل الانتخابات الأوروبية بين 23 مايو/أيار المقبل و26 منه، وأسّس تياراً مواكباً لذلك، أسماه الحركة. ظهرت بوادر ذلك، حين تحدّث ضيف شرف، في 22 سبتمبر/أيلول الماضي، في الاحتفال السنوي لحزب "الإخوة الإيطاليون" اليميني المتطرّف، قائلاً "مع الحركة، وشركائي في بلجيكا، سنشكل مجموعة، وحين يتغلب الرئيس (الأميركي دونالد) ترامب على الحزب الديموقراطي في الانتخابات (النصفية في الكونغرس)، في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، سأمضي 80 في المائة من وقتي في أوروبا استعداداً للانتخابات الأوروبية". وأضاف "إذا كنتم تعتبرون أنني أستطيع أن أقودكم إلى الفوز، سأقترح عليكم استطلاعات رأيٍ ومعطياتٍ تحليلية، وسنقيم مراكز أزمة وكل ما هو ضروري للفوز في الانتخابات". 
هل سيفعلها بانون؟ يبدو اليمين المتطرّف في بلدانٍ، مثل الدنمارك والسويد وإيطاليا والنمسا والمجر وبولندا وتشيكيا، وبنسبة أقل فرنسا، قادراً على تحقيق نجاحاتٍ واسعة فيها، بما يمكن التمثل بالبرلمان الأوروبي بكتلةٍ وازنةٍ، ستؤثر على القرارات المتعلقة باللجوء والهجرة والفضاء الحرّ وحركة الأسواق المالية. الآن، تبقى ألمانيا. أظهر الألمان في الانتخابات المحلية في مقاطعتي بافاريا وهيسن أنهم قادرون على إبعاد الحزبين، الديمقراطي المسيحي والاشتراكي، من السلطة، غير أنهم يُقدمون، في الوقت عينه، على تأمين الخَلَف، وهو ليس "البديل لأجل ألمانيا" اليميني المتطرّف، بل حزب الخضر. الألمان عملياً طبّقوا نظرية "ماذا بعد اليمين المتطرّف؟" في بافاريا وهيسن، بما يُشكّل تجاوزاً لمفهوم "الوقوف عند حاجز اليمين المتطرّف فحسب"، وتكريساً لمبدأ أن "اليمين المتطرّف ليس نهاية المراحل السياسية، بل مجرّد محطة يمكن ضربها بوسائل سياسية عدة".
عموماً، يرفع اليمين الأوروبي لواء اللجوء والهجرة، من دون تقديم بدائل اقتصادية واضحة أو اجتماعية محدّدة. في السويد مثلاً، يتلاعب الجميع تقريباً بحزب "ديمقراطيي السويد"، على اعتبار أن لا شعار لديه سوى المهاجرين. وبالتالي، فإنه متى انتهى هذا الشعار، سقط الحزب. عليه، تدفعه بقية الأحزاب، بما فيها اليمين الوسط، إلى الواجهة لإحراقه. ربما قد يتصدّر "ديمقراطيي السويد" السباق اليميني في الانتخابات الأوروبية، لكنه السقف الأعلى الذي يمكن أن يحصل عليه. وفقاً للحسابات السويدية، فإن ضرب "ديمقراطيي السويد"، وهو في القمة، أسهل من ضربه وهو في الحضيض. وقد تكون الاستراتيجية السويدية مفتاحاً لباقي أوروبا في مواجهة اليمين في الربيع المقبل.
الأبرز هو الخيارات العربية في الانتخابات، من البرازيل إلى السويد. ففي البرازيل أخيراً صوّتت أعداد كبيرة من العرب، السوريين واللبنانيين والفلسطينيين، لمصلحة بولسونارو. وفي السويد، انتخب اللبنانيون والعراقيون، تحديداً في مدينة مالمو، بنسبة كبيرة، اليمين المتطرّف في انتخابات سبتمبر/أيلول الماضي، فقط "لمنع السوريين من التغلغل بينهم وضرب مصالحهم". جلد الذات هو أكثر ما يجيده هؤلاء، على هامش صعود يمينٍ وانكفاء يسار.
6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في الصحيفة الورقية لـ"العربي الجديد".