خرافة البطولة

01 يونيو 2016
+ الخط -
بُنيت إسرائيل على خلائط من العقائد والسياسات والخرافات. وحكاية "المساداه" واحدة من الخرافات اليهودية التي تحولت إلى اعتقاد صوفي، مفعم بالبطولة والاعتداد بالذات؛ فبعض الوحدات العسكرية الإسرائيلية مازالت، حتى اليوم، تُساق إلى المكان المفترض لقلعة مساداه، ليردّد جنودها القسم الذي يقولون فيه "إن القلعة لن تسقط ثانية"، في إشارة إلى إسرائيل بالطبع. ويعتقد اليهود أن مساداه هذه سقطت في أيدي الجيش الروماني في أثناء عصيان وقع في سنة 73 ميلادية. وتضيف الحكاية أن المتمردين اليهود آثروا الموت على الاستسلام، وانتحروا جميعاً، غير أن الروايات نفسها تقول إن الجنود اختاروا، بالقرعة، عشرة أشخاص، ليقتلوا المحاصَرين، على أن يختار هؤلاء واحداً منهم ليقتل التسعة ثم ينتحر. لكن آخر اثنين اتفقا على الاستسلام للرومان (ما شاء الله). وشمشون، بدوره، بطلٌ خرافي آخر. والخرافة الشمشونية إنما هي دعاية هاذية، تدّعي أن الجيش الإسرائيلي، إذا حوصر يوماً ما، فسيحطم الهيكل على الجميع، في إشارة إلى السلاح النووي.
لا تحتاج هاتان الخرافتان فحصاً كثيراً، لدحضهما ودحض مصادرهما، ولا سيما كتابات المؤرخ يوسيفوس فلافيوس. فقبل "انتحار" الجنود اليهود في قلعة مساداه، استسلمت حامية قلعة هيروديوم وحامية قلعة مكايروس. وفي عصرنا الحديث، نتذكّر كيف استسلم الجنود الإسرائيليون، في خط بارليف وفي مرصد جبل الشيخ عام 1973، ولم ينتحر منهم أحد. وفي 4 /9 /1982، أي بعد أربعة أيام فقط من خروج آخر مجموعةٍ فلسطينيةٍ من بيروت، أُهين الجنود الإسرائيليون بطريقةٍ لم يعرفها الجيش الإسرائيلي من قبل. ففي ذلك اليوم، اقتحمت مجموعة فدائية فلسطينية، بقيادة عيسى حجّو، من حركة فتح موقعاً للجيش الإسرائيلي في جبل لبنان، وتمكّنت من أسر ثمانية جنود، من دون إطلاق رصاصة واحدة. كان جنود الموقع يشاهدون مباريات كأس العالم لكرة القدم في إسبانيا ويلعبون الورق، ولم يقاتلوا حتى الموت، بحسب عقيدة المساداه، ولم يبادروا إلى الانتحار بدلاً من الاستسلام. والمعروف أن الذين نفذوا تلك العملية اضطروا إلى منح الجبهة الشعبية- القيادة العامة أسيريْن من أولئك الثمانية، لقاء استخدام سياراتها لنقل الأسرى الباقين إلى سهل البقاع عبر خطوط الجيش السوري. وفي 2 /11/ 1983، جرى تبادل الأسرى مع إسرائيل، فأطلق سراح 4600 أسير في معتقل أنصار بجنوبي لبنان، وأُقفل المعتقل نهائياً، وتمكّنت "القيادة العامة" من مبادلة الأسيرين لديها بنحو 1150 أسيراً فلسطينياً في سجون إسرائيل في عملية "النورس" عام 1985.
انتشرت خرافة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر بقوة بين العرب بعد هزيمة 1967، ومكّنت تلك الهزيمة إسرائيل من صوغ خرافتها الجديدة التي أضيفت إلى خرافتها القديمة عن أذرع الموساد التي تطاول أي شخصٍ في أي مكان في الكرة الأرضية. لكن، في حرب 1973، تلقى الجيش ضربةً هائلةً عند قناة السويس، وكان الإخفاق الاستخباري للموساد آنذاك فضيحة مجلجلة. ثم تمرّغ الجيش الإسرائيلي بالدم والوحل في جنوبي لبنان، حتى لجأ جنوده إلى الهرب في 24 /5 /2000 تاركين عملاءهم يولولون. وإذا كان لا بد من المقارنة، فإن المساداه تجسّدت، أكثر ما تجسّدت، في معركة الشقيف عام 1982، حين قاتل الفدائيون فيها حتى الموت. وحين وصل بيغن وشارون إلى القلعة، لم يجدا أسرى أو جرحى بل شهداء. أما في إسرائيل فها هم اليوم يتحدّثون عن آخر طائرة إسرائيلية تقلع من مطار بن غوريون إلى أميركا، ومعها آخر يهودي، في مشهدٍ يحاكي مشهد الطائرة الأميركية الأخيرة التي حطّت على سطح السفارة الأميركية في سايغون لنقل آخر أميركي إلى بلاده. وكثيراً ما تندّر اليهود بالقول إن على الإسرائيلي الأخير الذي يترك البلاد أن يطفئ الأضواء قبل رحيله.
متى؟