ساسة العراق والتخويف من الفوضى

30 اغسطس 2022
+ الخط -

أقيمت في البصرة، في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 1920، حفلة توديع للسير أرنولد ويلسن، الحاكم السياسي البريطاني العام بالوكالة في العراق، والذي كان يستعد لمغادرة هذا البلد باتجاه لندن. أقيمت بعد نحو ثلاثة أشهر من اندلاع الثورة العراقية ضد الاحتلال البريطاني، والتي شملت عدة مدن ومحافظات عراقية، وكادت أن تطيحه بشكل أسرع مما كان يتوقع دهاقنة بريطانيا.
هناك في قصر طالب النقيب، أحد أعيان البلاد وقتذاك، تم توديع ويلسن واستقبال السير برسي كوكس الذي عاد من بريطانيا، بعدما قدّم تقييما للوضع في العراق، مكلف من حكومة بلاده بتشكيل حكومة وطنية، بدلا من سحب القوات البريطانية من العراق، وهي المهمة التي قال عنها كوكس في مجلس العموم البريطاني إنها ستكون مكلفة، وربما تعيد العراق إلى الاحتلال التركي.
ألقى السياسي العراقي مزاحم الباجه جي، في تلك الحفلة، كلمة أثنى فيها على بريطانيا والخدمات الجليلة التي قامت بها في العراق، واصفا الثورة التي اندلعت ضد الوجود العسكري البريطاني بأنها ليست عربية خالصة، ويختلط فيها العنصر الأجنبي. وقال إن ما تسمى الثورة لا تمثل الشعب العراقي، وإنما هي حركة تختلط فيها المصالح الشخصية، محذّرا بريطانيا من الانسحاب من العراق، لأن هذا الانسحاب سيؤدّي إلى فوضى وحرب آسيوية لن تكون حكومة لندن قادرة على وقفها.
لا يتعلق الأمر فقط بهذه النداءات التي كانت توجهها شخصيات العراق وأعيانه إلى الاحتلال البريطاني للبقاء فقط، بل كان هناك إحساس متنام لدى هذه الطبقة بأن غياب هذه القوات عن بلاد الرافدين سيجعلها لقمةً سائغةً بيد الشعب، الشعب الذي ثار في 1920 ضد الوجود البريطاني، ناهيك طبعا عن خسارتهم كل الامتيازات التي حصلوا عليها من المحتلين. لذا كان التخويف من الفوضى التي قد تفشل معها لندن في الاحتواء دليل هؤلاء الساسة والشخصيات من الذين ربطوا وجودهم بوجود هذا المحتل.

كلما اشتدّت الأزمة السياسية في العراق، ووصلت عمليتها السياسية إلى حافّة النهاية، وجدنا من يخوّف الجوار والعالم من فوضى لا قبل لهم بها

تكرّر المشهد كثيرا في عراق ما بعد 2003، وشاهدنا كيف استقبل أعيانٌ وعلماء دين ورجال سياسة المحتلّ ورموزه، وكيف أكرموا وفادتهم، وكأنهم فعلا جاؤوا محرّرين لا فاتحين، كما قالها من قبلهم الجنرال مود يوم أن دخلت قواته بغداد عام 1917. وأيضا يتكرّر المشهد اليوم بالتخويف من الفوضى، فكلما اشتدّت الأزمة السياسية في العراق، ووصلت عمليتها السياسية إلى حافّة النهاية، وجدنا من يخوّف الجوار والعالم من فوضى لا قبل لهم بها، بل إن بعضهم وصل به الحال إلى أن يتحدّث عن سيناريو مرعب، وكأن غياب هذه الطغمة الحاكمة المستندة إلى شرعية المجتمع الدولي سيعني اندلاع حرب عالمية ثالثة.
في مؤتمر عن حقوق المرأة، حضره ساسة العراق، يوم السبت 27 أغسطس/ آب الجاري، كان التخويف من انهيار المنجز الأمني بمثابة القاسم المشترك للمتحدّثين، معتبرين أن استمرار الوضع السياسي المحتقن بين الأطراف السياسية العراقية قد يؤدي إلى انهيار ما يعتبرونه منجزا أمنيا حققوه للعراقيين. سرعان ما يتبخّر هذا المنحز أمام الدلائل والوقائع التي تؤكّد أن ما يعدّ منجزا أمنيا ما هو إلا حالة من الفوضى القانونية والأمنية بغطاء الدستور والقانون، وهي أبعد ما تكون عن استقرار أمني قائم على وجود مرتكزاتٍ حقيقية له.
يكفي أن تطلع على يوميات الجرائم التي تمارس وترتكب في بغداد وعدة محافظات أخرى، والتي ترتكب غالبيتَها شخصيات نافذة، سياسية ودينية وأمنية وحزبية، حتى تدرك حجم المأساة التي يعيشها العراقيون منذ 2003، بل لتتأكّد من أن الفوضى ضاربة أطنابها أصلا في بلاد الرافدين، ولا تنتظر من يشعلها. أما إذا مددت بصرك إلى أبعد من يوميات الأمن، وفتشت في دهاليز الفساد، فستدرك أنك أمام بلد مستباح، مستباح بالكامل. وإذا كان لديك فضول أكبر، فيكفي أن تفتش في دهاليز وخلفيات الأحزاب التي تحكم العراق منذ 2003، لتصاب بدهشة وذهول من حجم العمالة العلنية للخارج، وكأن كل حزب منهم وكيل دولة أو إقليم أو حتى غير ذلك.

التخويف من الفوضى ديدن كل الأنظمة التي لا تستند إلى شرعية، كل الأنظمة المستبدّة

هناك اليوم نحو مليون وربع المليون نازح داخل العراق، وهناك آلاف المغيبين، واستباحة كاملة للقانون من المتنفذين وأعوانهم، وسرقات لها أول وليس لها آخر، ولعل ما تُنشر من تسريبات عن عمليات التحاصص المالي وتوزيع مقدّرات البلد بين مختلف ساسته، ما هو إلا قمة جبل الجليد.
يكفي أن تعلم أنك في بلد فيه نحو 22 مليشيا مسلحة. يكفي أن تعلم أن نحو ألف مليار دولار مفقودة، لا أحد يعرف أين وكيف صرفت. يكفي أن تعلم أنك أمام بلد تسيطر فيه المليشيات على منافذه الحدودية، وأنك أمام بلد تتحكّم فيه الأحزاب، حتى في عدادات تصدير النفط. وإذا رغبت بالمزيد، ما عليك سوى الاطلاع على رسالة استقالة وزير المالية علي علاوي قبل نحو أسبوعين، لتعرف أن الفوضى باتت عنوانا مرادفا لعراق اليوم.
تلك هي الفوضى، وليس التي يخوّفون بها العالم والعراقيين، تلك هي الفوضى التي يجب أن تنتهي بثورة شعبية تقتلع كل جذور هذه الطبقة الحاكمة. التخويف من الفوضى ديدن كل الأنظمة التي لا تستند إلى شرعية، كل الأنظمة المستبدّة، ودعك مما تمارسه بعض الأنظمة العربية من مسرحيات الديمقراطية، فهي، والكل يعلم، ليست سوى انتهاك لكل معاني الديمقراطية.
يخشى ساسة العراق من فوضى تفقدهم امتيازاتهم، من ثورة شعبية تحيلهم إلى ذكرى غابرة في ذاكرة الشعب، وهم يعرفون جيدا أنه كانت للعراقيين تجربة متفرّدة، لو أنها استمرّت ووجدت مساندة من المجتمع الدولي الذي يدّعي الديمقراطية، وهي ثورة تشرين التي لو قُيض لها أن تنجح لأصبحت كل هذه الأسماء التي تتسيد المشهد العراقي ذكرى غابرة، لا يرغب أي عراقي أن يتذكّرها.

96648A48-5D02-47EA-B995-281002868FD0
إياد الدليمي
كاتب وصحافي عراقي. حاصل على شهادة الماجستير في الأدب العربي الحديث. له عدة قصص قصيرة منشورة في مجلات أدبية عربية. وهو كاتب مقال أسبوعي في عدة صحف ومواقع عربية. يقول: أكتب لأنني أؤمن بالكتابة. أؤمن بأن طريق التغيير يبدأ بكلمة، وأن السعادة كلمة، وأن الحياة كلمة...