المعارضة السودانية تفرض شروطها للتفاوض

25 ابريل 2019
يستمر الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش (محمود حجاج/الأناضول)
+ الخط -
نجحت المعارضة السودانية، أمس الأربعاء، في فرض شروطها للتفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي، بعد أن أوقفت التواصل معه منذ الأحد الماضي، فيما تستعد اليوم لتوجيه رسالة عبر الشارع في مسيرة مليونية جديدة. 

وأعلن تحالف "الحرية والتغيير"، مساء الأربعاء، موافقته على استئناف التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي، إثر بيان أصدره المجلس العسكري أقر فيه بالدور الكبير الذي أداه التحالف في التغيير الذي حدث في السودان.

وقال القيادي الأبرز في تحالف "الحرية والتغيير"، محمد ناجي الأصم، لـ"العربي الجديد"، إن التحالف تلقى رسالة إيجابية من رئيس المجلس العسكري، الفريق عبد الفتاح البرهان، دفعتهم على الموافقة على استئناف الاتصال مع المجلس والتوجه مباشرة الآن للقصر الجمهوري للقاء رئيسه. وكان المجلس العسكري الانتقالي في السودان، قد دعا في وقت سابق الأربعاء، التحالف المعارض إلى اجتماع، يعقد مساءً، ويتم خلاله استئناف التفاوض بين الطرفين.

وجاءت هذه التطورات بعدما أعاد "تحالف الحرية والتغيير"، أمس الأربعاء، في مؤتمر صحافي لعدد من قادته، تأكيد ثوابته لحل الأزمة، رافضاً بقاء السلطة في يد المجلس العسكري، ومشدداً على أن "من كانوا جزءاً من النظام السابق لا يمكن أن يكونوا جزءاً من الحل"، مع تلويحه بإعلان الإضراب المدني الشامل.
وأعلن العضو في التحالف، عمر الدقير، خلال المؤتمر الصحافي، "أننا لم ندعُ الجيش لاستلام السلطة، وإنما دعوناه للانحياز للشعب"، لافتاً إلى أن التحالف يريد "تشكيل سلطة مدنية تمارس صلاحياتها بالكامل، للفترة الانتقالية المحددة بأربع سنوات، وتفكيك دولة الحزب لصالح دولة الجميع، وتأسيس دولة تعترف بالتنوع في البلاد". وشدد على "ضرورة إنهاء الحرب، ومعالجة الأزمة الاقتصادية، وإعداد الدستور الجديد". كما شدد على "ضرورة محاسبة كل من سفك الدماء، وأفسد، وتضميد الجراحات عبر المصالحة الوطنية".

كما أعاد التحالف في بيان تلي خلال المؤتمر، تأكيد رفض الحوار مع المجلس العسكري عبر اللجنة السياسية التابعة للمجلس. وأشار البيان الصادر عن التحالف، إلى أن اللجنة السياسية تعنّتت في تحديد مواقيت للرد على مقترحات "الحرية والتغيير"، وأنها تسلمت عدة مقترحات من تنظيمات ظلت جزءاً من النظام السابق حتى تاريخ سقوطه، وتريد اللجنة أن تجعل منها شريكة في ترتيبات الانتقال، ما يعكس ردة ومحاولة لإنتاج النظام القديم، بحسب التحالف.

وأكد التحالف أنه يؤمن بأهمية تكاتف "قوى الحرية والتغيير" بما فيها القوات المسلحة لوضع البلاد في مسار فترة انتقالية مستقرة، مشيراً إلى أن العودة للتفاوض ترتبط بضرورة التعامل بجدية مع مطالب الجماهير والثورة من خلال الاعتراف بـ"قوى الحرية والتغيير" كممثل للجماهير التي ارتضته كقائد لحراكها من أجل التغيير طوال الأشهر الماضية. وأضاف أن موقفه بوقف التفاوض لا يعتبر موقفا متعنتاً بقدر ما هو محاولة لوضع الأمور في سياقها الصحيح لتحقيق مطالب الشعب في تحوّل ديمقراطي لا لبس فيه، مشيراً إلى أنه في حال عدم الاستجابة لتلك المطالب فإن التحالف ماضٍ في نضاله في الدعوة لمليونيات جديدة وإلى إعلان العصيان المدني بشكل عام. كما نفى التحالف الأحاديث عن خلافات داخل المعارضة، معتبراً أنه "حديث تروج له الثورة المضادة"، معلناً رفضه لتوصية قمة أفريقية مصغرة استضافها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وطلبت منح المجلس العسكري مهلة 3 أشهر لبناء تحوّل ديمقراطي في البلاد بدلاً من 15 يوماً.

ولم يتأخر المجلس العسكري للرد على المعارضة، فوجّه دعوة لـ"تحالف الحرية والتغيير" إلى اجتماع مساء أمس الأربعاء يتم خلاله استئناف التفاوض بين الطرفين. وقال المجلس في بيان، إنه يؤمن بدور "قوى الحرية والتغيير" في صناعة الثورة وقيادة الحراك بشكل سلمي وصولاً لاقتلاع النظام، مضيفاً أن المجلس وانطلاقاً من المسؤولية الوطنية التي تقع على عاتقه في حفظ الأمن وبث الطمأنينة واجتثاث جذور الفتنة وبواعث الإقصاء وكل مخلفات النظام السابق وضماناً لرعاية الظروف الملائمة لتحقيق أهداف الثورة فإنه "يعلن أن أبواب التواصل والحوار والتفاوض مفتوحة حول رؤية قوى الحرية والتغيير التي قدمتها للمجلس وصولاً لتحقيق تطلعات الشعب ومطالب الثورة". وأكد أن المجلس يعول كثيرا على مخرجات الاجتماع الذي تمت الدعوة لانعقاده مساء أمس، لاستئناف التفاوض مع تلك القوى حول مستقبل البلاد.


وكان رئيس المجلس، عبدالفتاح البرهان، قال في حوار مع "سي إن إن"، إن القوات المسلحة السودانية تعمل مع المواطنين ولصالحهم، مشيراً إلى أنه لا يترأس انقلاباً، مضيفاً أنه سيتنحى في حال طلب الشعب منه ذلك. وفيما يتعلق بالبشير، قال البرهان إنه سيواجه المحاكمات حتماً متى ما رفعت عليه دعاوى قضائية.

وحول هذه التطورات، أكد القيادي في تجمّع المهنيين السودانيين، مدني عباس مدني، لـ"العربي الجديد"، أنهم في التجمّع و"تحالف الحرية والتغيير" يعتمدون تماماً على الشعب ويستجيبون في الوقت نفسه لمطالبه من دون التوقف عند قرارات المنظمات الإقليمية، قبل أن يستدرك معلناً رغبة المعارضة في توسيع اتصالاتها بتلك الدول والمنظمات. وقال مدني إن على المجلس العسكري ألا يعتمد على الدعم الإقليمي. وحول تحفّظ التحالف على اللجنة السياسية وحدها في مؤتمره أمس، قال مدني إن اللجنة تتحمّل الوزر الأكبر في توقف التواصل بين المجلس العسكري و"تحالف الحرية والتغيير"، لأنها لم تسطع إدراك موازين القوى وتتعامل مع القوى الفاعلة كما كان يتعامل نظام البشير.

هذه التطورات تستبق مسيرة مليونية تحضر لها المعارضة اليوم الخميس، فيما لفت أمس إعلان قضاة السودان في بيان أمس انحيازهم للمعتصمين عبر تسيير موكب (مسيرة)، اليوم، من أمام المحكمة الدستورية في الخرطوم، باتجاه مقر الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش، "دعماً للتغيير، وسيادة حكم القانون، ومن أجل قضاء غير مسيس".
بالتوازي تستمر التحضيرات لمسيرة اليوم. الشابة السودانية مشاعر عبد الرحيم (25 عاماً)، التي تقول إنها لم تتخلف إلا مرات قليلة عن الاستجابة لدعوات تجمع المهنيين السودانيين للتظاهر، بدأت استعداداتها منذ يوم أمس للمشاركة في مليونية اليوم، التي دعا لها "تحالف الحرية والتغيير"، في محيط مقر قيادة الجيش السوداني. وأكدت عبد الرحيم لـ"العربي الجديد" أنها تؤمن تماماً بهدف مليونية اليوم، والتي يراد لها مزيد من الضغط على المجلس العسكري لتسليم السلطة لحكومة مدنية.
وتُعد عبد الرحيم، واحدة من آلاف الشباب الفاعل والداعم لـ"تحالف الحرية والتغيير" في الاحتجاجات، وتحديداً في الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش. ومنذ الثلاثاء، أضاف وصول مئات الأشخاص على متن قطارين من مدينة عطبرة، شمال السودان، للانضمام إلى الاعتصام أمام المقر، زخماً جديدا للحراك الثوري، وأغرى مدناً أخرى بتسيير قوافل مماثلة تنضم إلى المكان.

وتعليقاً على ذلك، رأى الصحافي ماجد محمد علي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه لا خيار أمام "تحالف الحرية والتغيير" غير تحريك الشارع الذي يستمد منه الشرعية بصورة أساسية، مشيراً إلى أن التحالف وعبر تلك الوسيلة حقق مكاسب عديدة أهمها الإطاحة بالبشير، ولن يعجز عن استخدام ذات الوسيلة لفرض شروطه على المجلس العسكري.

من جهته، أكد الشفيع أحمد محمد، وهو أمين عام سابق لحزب "المؤتمر الوطني" قبل أن يبتعد عنه في السنوات الأخيرة، أن الفرصة لا تزال مواتية لتجسير الهوة بين المجلس العسكري و"تحالف الحرية والتغيير"، وذلك بخطة تدريجية للتوافق على رؤية تكون في صالح الجميع. ولفت إلى أن الخلافات ليست كبيرة وتتلخص في وجود مجلس سيادي تطالب به المعارضة، وبالإمكان الإبقاء على المجلس العسكري الحالي كمجلس سيادة مع إضافة مدنيين له، على أن يكون مجلس الوزراء كله من المدنيين.