انتفاضة لبنان نحو عودة بزخم أكبر: الشارع لتحدي السلطة

20 ابريل 2020
يعاني اللبنانيون مآسي اقتصادية واجتماعية عدة (حسين بيضون)
+ الخط -

ستّة أشهر مرّت على الانتفاضة اللبنانية التي انطلقت في 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي في وجه السلطة السياسية، التي علّق فيروس كورونا تحرّكاتها مؤقتاً، مشكّلاً فرصة لحكومة حسان دياب لمحاولة القضاء على أي حراك من خلال إزالة خيم الناشطين في الساحات وتوقيف عددٍ منهم، وفضّ أي تحرّك يُنظَّم بالقوّة، كما حصل أخيراً في طرابلس شمالي لبنان، التي شهدت في الأيام الماضية إشكالات بين الجيش ومجموعاتٍ، استُخدمت فيها القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، وسقط خلالها عددٌ من الجرحى في صفوف الحراك. لكن الأزمات المتراكمة عادت لتطلّ بقوة بعدما حجبها الوباء لفترة، فسعر صرف العملة الوطنية يتدهور، ونسب البطالة ترتفع، والمخاوف على أموال اللبنانيين في المصارف تتزايد بعد الأنباء عن توجّه السلطة للقيام بعمليات "هيركات" (اقتطاع) من الودائع. ومن المتوقع أن تعزز هذه الأزمات نشاط الشارع في الفترة المقبلة.

طرابلس التي لُقّبت بـ"عروس الثورة"، بدأت تستأنف تحركاتها في الشارع وتُحدّد خطواتها التالية، التي من المتوقع أن تشهد تصعيداً في الأيام المقبلة. في السياق، يؤكد أحد النشطاء في المدينة، فوزي فري، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أنّ الفوضى العارمة في البلد، وفقدان الناس مداخيلهم وأشغالهم وارتفاع منسوب الفقر والجوع، كلها عوامل أدت إلى قيام تحركات شعبية محقة. ويشير إلى أنّ المواطن اللبناني انتقل من الاهتمام بالوباء وطرق الوقاية منه إلى مراقب لقرارات الحكومة التي استغلت الفيروس بغية تمرير الصفقات والتعيينات والسعي لفرض إجراءات مشددة على المودعين، والبحث عن خطوات ظالمة بحقهم من خلال ما سُرّب عن نية لقضم الودائع عبر مشروع "هيركات" وغيرها، وذلك في ظلّ فشلها في ضبط غلاء الأسعار الجنوني، والتدخل لوقف الارتفاع الكبير في سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية، ما أفقد الموظفين أكثر من 70 في المائة من قيمة رواتبهم.

ويلفت فري إلى أنّ الطرابلسيين يعانون من الفقر والمظلومية والجوع والبطالة والموت على أبواب المستشفيات منذ سنين طويلة، وقد فقدوا الثقة في الطبقة السياسية الحاكمة وفي نواب المنطقة. ويشدّد على أنه على الرغم من محاولات البعض تشويه صورة الانتفاضة في الشمال ومحاولة إسباغ الطابع السياسي على تحرّكاتها، لكن طرابلس انتفضت قبل 17 أكتوبر يوم رفض أكثر من 70 في المائة من أبنائها التصويت في الانتخابات النيابية عام 2018، ويوم انتخبت بلدية بعيدة من الأفرقاء السياسيين عام 2016.

ويضيف فري أن أي محاولة من قبل السياسيين، الذين يتحمّل جميعهم من دون استثناء ما وصل إليه لبنان اقتصادياً ومالياً ومعيشياً واجتماعياً، لناحية تبنّي التحركات وركوب الموجة لكسب الشارع، هي مرفوضة؛ كونهم لا يتحركون إلا لمصالحهم. ويعتبر أن الحكومة الحالية تضمّ وزراء مقنّعين بأقنعة الاستقلالية والتكنوقراط، لكنها تابعة للطبقة السياسية وتتلقى الأوامر منها، على الرغم من أن بعض الناشطين منحوها الفرصة، إلا أنها نسخة عن سابقاتها في الحكم، وقد برّرت فشلها وتأخر الإصلاحات بظهور كورونا. بالتالي، فإن نزول الناس إلى الشارع بالتزامن مع كلمة دياب، مساء الخميس الماضي، وقبل الاستماع إلى خطته، ما هو إلا تأكيد على أنها لن تصدق أقواله. ويتوقع فري ارتفاع منسوب التحرك الشعبي، والانتفاضة الآتية ستشهد زيادة أكبر في عدد المعتصمين، لأنّ الطبقات الاجتماعية كلّها تأثرت من الأزمة وطاولتها الأضرار.

"الصوت والصرخة والعمل على عودة التحركات لن يستثني أي منطقة"، هذا ما يؤكده علي عز الدين من حراك صور في الجنوب اللبناني لـ"العربي الجديد"، معتبراً أنه "لم يعد أمام الناس أي خيار آخر، إما الانتفاضة أو الجوع، خصوصاً أن الانفجار الاجتماعي آتٍ لا محالة". ويشدّد على أن "حكومة دياب لم تقنع اللبنانيين وهي تجسّد المنظومة نفسها، فإذا لم يتغيّر شكل النظام ويصار إلى قيام عقد اجتماعي بين الدولة والناس فمن المستحيل أن يحصل أي تغيير، علماً أننا لو لمسنا أي خطوة جدية وصحيحة من دياب لكنّا أيّدنا وجوده، فنحن نريد حقوقنا في النهاية ومصلحة الوطن، لكنه فشل في نجاز أي شيء على الرغم من محاولاته المستمرّة في عرض إنجازاته التي لا تنطلي على أحد". وينوّه إلى عقد اجتماعات مفتوحة لعرض الخطوات المقبلة، والنزول إلى الشارع، للمطالبة من جديد بحكومة مستقلة، وبقضاء مستقل، وقانون انتخاب عادل وشفاف، اقتراعاً وفرزاً.



جنوباً أيضاً، يلفت محمد البابا من حراك صيدا لـ"العربي الجديد"، إلى "أننا أصبحنا اليوم أمام ثورتين، الأولى 17 أكتوبر، التي تعمل بحذر وضمن الأطر المطلوبة والاحتياطات الواجب اتخاذها للوقاية من فيروس كورونا، والثانية هي ثورة الجياع الذين نزلوا إلى الشارع بعدما فقدوا وظائفهم ومداخيلهم واعتقدوا في البداية أن الحكومة ستقف إلى جانبهم وتقدم لهم المساعدات في ظلّ أزمة كورونا وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية القاسية لكنها لم تنظر إليهم". ويؤكد أنّ "مطالبنا كانت ولا تزال بحكومة حيادية تعطى لها صلاحيات استثنائية، والقيام بإصلاحات قضائية وإدارية واقتصادية واجتماعية، ومحاكمة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، ومنح المواطن أبسط حقوقه في العيش بكرامة".

ويشدّد البابا على أنّ "سلمية التحركات هدفنا الأساسي، لأننا ضد الفوضى أو الاعتداء على الأملاك العامة والخاصة، لكن في الوقت نفسه الأمور قابلة للتطور تبعاً لردّة فعل السلطة السياسية والحكومة، التي وضعت مهلة 100 يوم لإنجاز خطتها الإنقاذية، إلا أنها تستمر في نهج المحاصصة والاختلاف على مواقع الدولة، والتذكير بشكل متواصل بالتركة الثقيلة التي تحملها جراء الحكومات المتعاقبة، وهذا أمر غير مقبول، فإذا كانت تعلم أنها غير قادرة على إدارة الأزمة فالأجدى بها ترك المكان لمن هو قادرٌ على إنقاذ البلد".

من جهته، يقول ياسين ياسين من حراك البقاع الغربي لـ"العربي الجديد"، إنّ اللبنانيين الذين شاركوا في الانتفاضة يعلمون أن المشوار طويل وتركيبة لبنان صعبة لناحية تغيير النظام، لكنهم لن يتخلوا عن مطالبهم وسيعودون إلى الشارع بشكل أقوى بعدما اقتربت البلاد من المجاعة". ويضيف أن "الشعب سيستجيب بكل فئاته إلى نداءاتنا أكثر من السابق، لأنه لمس كذب السياسيين والأحزاب التي ابتزت حتى مناصريها وحرمتهم من حقوقهم ولم تتمكن من الحفاظ على أملاكهم". ويؤكد أن "الانتفاضة ستعود تدريجياً، وسقفنا دائماً "كلن يعني كلن" (جميعهم يعني جميعهم)، ولن ننزلق إلى الشغب؛ لأن سلمية تحركاتنا هي سلاحنا الذي سيؤذي السلطة التي لم تعرف سوى القتل والسرقة".

ولا يلوم ياسين من نزل إلى الشارع وخرق قرار التعبئة العامة وضرورة الالتزام بالحجر الصحي، لأنّ الحكومة غابت عن دعم المناطق الأكثر حرماناً وفقراً ولم تمدّها بالمساعدات حتى الطبية منها كالكمامات والقفازات التي لا يملك العديد ثمن شرائها، بينما انصبّ تركيز المسؤولين على تنظيم محاضر ضبط بحق محال صغيرة يسترزق منها أصحابها، ومخالفين لقرار لوحات السيارات، وغيرها من التدابير التي أدخلت المال إلى الدولة وحرمته من جيب المواطن.

في السياق، يؤكد عدد من الناشطين في بيروت لـ"العربي الجديد" أنّهم دائماً ما يلبّون النداء في أي منطقة تشهد تحركات ومحاولات قمع وعند توقيف أي ناشط، للمحافظة على نبض الانتفاضة ومنع السلطة السياسية والأمنية من إطفاء شعلتها، وهم بالمرصاد لكل قرار مجحف تتخذه الحكومة بحق المواطن اللبناني، تماماً كما حصل يوم نزل قسم من المنتفضين إلى وزارة الاقتصاد للوقوف إلى جانب الناشطين الذين دخلوا مكتب الوزير راوول نعمة ورفضوا الخروج منه قبل لقاء الأخير والضغط عليه باتجاه ضبط غلاء الأسعار والاحتكار الحاصل من جانب التجار، بالإضافة إلى التحركات الفردية التي لا تتوقف عند أبواب المصارف لمواجهة كل خطوة للسطو على أموال المودعين.