"فناكيش" بوتين في مصر

12 ديسمبر 2017
بوتين لم يعلن عن موعد لعودة السياحة الروسية لمصر(GETTY)
+ الخط -
قبل قدومه إلى مصر، كان الشغل الشاغل لوسائل الإعلام المصرية هو الحديث عن القرارات المهمة التي سيعلنها الرئيس فلاديمير بوتين خلال زيارته القاهرة أمس الاثنين، وحسب توقعات إعلاميين مصريين بارزين فإن بوتين سيعلن أثناء الزيارة عن قرارات مهمة للاقتصاد المصري من أبرزها الإعلان عن استئناف رحلات الطيران الروسي إلى مطارات مصر، وإلإعلان كذلك عن عودة السياح الروس إلى مصر، إضافة لمضاعفة حجم التبادل التجاري بين البلدين، وإقامة منطقة صناعية روسية في شرق بور سعيد بمحور قناة السويس، على مساحة 5 ملايين متر مربع وباستثمارات تتجاوز 7 مليارات دولار.

بل، وأكدت وسائل الإعلام وبشكل قاطع أن بوتين سيعلن خلال زيارته إلى القاهرة عن عودة السياح الروس إلى مصر على الفور بعد غياب دام أكثر من عامين ومنذ حادث تحطم الطائرة الروسية الشهير نهاية عام 2015.

وذهبت تحليلات أخرى إلى أن بوتين سيعلن عن هذه القرارات التاريخية كتعبير عن قوة العلاقات السياسية بين مصر وروسيا وثمناً لفوز بلاده بصفقة مشروع الضبعة النووي، والتوقيع النهائي على اتفاقية إنشاء أول مشروع نووى مصري بتنفيذ روسي، والفوز أيضا بتمويل المشروع النووي بمبلغ 21 مليار دولار كما أعلن الجانب الروسي و25 مليار دولار كما أعلن الجانب المصري.

وجاء بوتين إلى القاهرة وغادر دون أن يعلن عن موعد محدد لحسم الملفات العالقة بين البلدين ومنها عودة الطيران والسياحة، بل استخدم كعادته مبدأ التسويف والمراوغة حينما قال بعد مباحثات مع السيسي إن موسكو (مستعدة) لاستئناف الرحلات الجوية المدنية إلى مصر.

وسار على نهج بوتين وزير النقل الروسي ماكسيم سوكولوف الذي قال للصحفيين أمس الاثنين إن روسيا مستعدة لتوقيع بروتوكول مع مصر هذا الأسبوع، وذلك لاستئناف رحلات الطيران المباشرة ربما في أوائل فبراير/ شباط، لاحظوا هنا الشهر الذي حدده الوزير وهو فبراير القادم الذي يعني انتهاء الموسم الشتوي في مصر، وهو ما يعني أن عودة السياح الروس لن تتم قبل نهاية 2018 إذا ما تمت تسوية الخلافات العالقة بين البلدين.

وخلال زيارة القاهرة ربط بوتين ووزير النقل الروسي سوكولوف الاستعداد لاستئناف رحلات الطيران المباشرة بتوقيع بروتوكول حكومي مع مصر لم يتم الكشف عن تفاصيله، وما إذا كان يتضمن اعتداء على السيادة الوطنية المصرية خاصة في الجزء المتعلق بالرقابة والتفتيش المزدوج على رحلات الطيران بين البلدين في المطارات المصرية، أم لا.

مصر راهنت بشدة على إعلان بوتين عن عودة السياح الروس إلى مصر خلال زيارة الأمس لأسباب اقتصادية وسياسية معروفة، فروسيا هي أكبر دولة مصدرة للسياحة إلى البلاد، إذ وصل العدد إلى ما يقرب من 3 ملايين سائح روسي في يناير/كانون الثاني 2011، من إجمالي 14.5 مليون سائح، أي ما يمثل نحو خُمس إجمالي السياحة الوافدة إلى مصر.

ومثلت السياحة الروسية نحو 33% بما يعادل 3.1 ملايين سائح من إجمالي الحركة السياحية الوافدة إلى مصر في العام 2014، وهذا العدد بلغ 71.4 ألف سائح في الشهور العشرة الأولى من العام الجاري مع تخفيف قيود حظر السفر من قبل روسيا لمصر، لكنه لم يرقَ إلى مستوى تطلعات الحكومة المصرية

روسيا في المقابل تدرك حاجة الاقتصاد المصري لسياحها وطيرانها وقمحها وسلعها الزراعية والغذائية، وتدرك أيضا حاجة صانع القرار في مصر لهذه الخطوة وأنها مهمة جدا في كسر الحصار المفروض على السياحة المصرية من قبل بعض الدول مثل إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية، ولذا فهي تمارس الانتهازية السياسية ضد مصر من أوسع أبوابها.

موسكو، ومن خلال سياسة الانتهاز، ترغب في حصد أكبر المكاسب الاقتصادية والمالية مقابل تلبية طلبات القاهرة الخاصة بالطيران والسياح ومزيد من التعاون الاقتصادي والتجاري، تريد من مصر إبرام المزيد من صفقات السلاح، تريد تعويضات ضخمة وسخية لضحايا الطائرة الروسية المنكوبة فوق جزيرة سيناء في نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول 2015، والبالغ عددهم 224 شخصا، سواء من مصر أو من شركات التأمين، وهذه التعويضات قد تتجاوز تكلفتها مئات الملايين من الدولارات.

وربما تريد موسكو من القاهرة صرف تعويضات لشركة الطيران الروسية التي تحطمت فوق سيناء وهي من طراز ايرباص A-321، وصرف تعويضات كذلك لشركات السياحة والطيران الروسية التي تضررت جراء انهيار السياحة الروسية لمصر، وبالطبع فإن حسم هذه التعويضات يخضع لأمور كثيرة لم يتم حسمها بعد منها، من هي الجهة التي تقف وراء تفجير الطائرة الروسية فوق سيناء، وهل الحادث نتيجة خلل فني بالطائرة المنكوبة، أم بسبب تفجير إرهابي من تنظيم داعش الإرهابي كما تردد.

وبالطبع فإن صفقة تمويل روسيا أول مفاعل نووي مصري بقرض قيمته 21 مليار دولار وبسعر فائدة عال ومبالغ فيه لا يكفي تطلعات الدب الروسي، وربما لا يكفيه إبرام صفقات ضخمة عسكرية أو اقتصادية مع القاهرة خلال السنوات الأربع الأخيرة، وربما يكون هدفه النهائي هو إحياء التحالف التاريخي بين مصر والاتحاد السوفييتي الذي كان قائما في سبعينيات القرن الماضي وبناء قواعد عسكرية روسية على الأراضي المصرية.

بوتين لم يخدع المصريين، "ولا أحد يخدعنا، إنما نحن نخدع أنفسنا" كما قال الأديب الألماني المتميز فولفغانغ غوته

المساهمون