غويا.. هكذا رأى الفنّان كوارث الحرب

24 اغسطس 2022
من سلسلة "كوارث الحرب"، حفر على غواش، 14 × 19 سم (من المعرض)
+ الخط -

في عام 1819، انتقل فرانثيسكو غويا للعيش في منزل على ضفاف نهر مانزاناريس بالقرب من مدريد، والذي رسم على جدرانه مجموعات اللوحات السوداء، كانت الأهمّ في تجربته، بعد أن أُصيب بانهيار عصبي قبل ذلك بنحو ربع قرن، حيث تمكّن منه الصمم الذي عزله عن العالم.

كاد الفنّان الإسباني (1746 - 1828)، بسبب مرضه، أن يُمسّ بالجنون، فلجأ إلى اختراع شخصيات خيالية فقدت عقولها وخرجت الوحوش من داخلها لتتقاتل على نحو بربري، وخرجت الشياطين والساحرات والأشباح، وتركها على الأغلب غير مكتملة قبل أن تُعرض لأوّل مرة في "الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة" بسان فرناندو في مدريد بعد رحيله.

"غويا.. لقد رأيت هذا" عنوان المعرض الذي افتتح مساء الجمعة الماضي في "متحف شارف غيرستنبرغ" ويتواصل حتى السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، ويضيء حوالي ثلاثين عملاً طباعياً من أربع مجموعات خصّصها غويا لإدانة الحروب والانتهاكات الاجتماعية.

لم يستطع التمييز بين الأطراف المتقاتلة بعد سنوات من الحرب

يستمدّ المعرض عنوانه من تعليق الفنّان على العمل رقم 44 في سلسلة "كوارث الحرب" سنة 1863، في إشارة إلى شهادته على غزو نابليون بونابرت بلاده وبلداناً أخرى في أوروبا، ويصوّر محطّات بارزة منها، وما خلّفته من مجاعات استمرّت إلى بدايات القرن التاسع عشر.

في المجموعة الأولى، أظهر غويا تعاطفاً شديداً مع المواطنين الإسبان الذين دافعوا عن أنفسهم بضراوة في وجه الغزاة الفرنسيّين، وفيها مشاهد مرعبة مثل إعدام السجناء رمياً بالرصاص، وتعليق أجزاء من الضحايا على غصون الأشجار، وحالات الاعتداء على النساء والأطفال.

من المعرض
من المعرض

لا يُمكن التمييز في أعمال المجموعات اللاحقة على الأطراف المتقاتلة؛ حيث يبرز غموض متعمّد في تصوير مذابح لأناس مجهولين، بعد انتشار قطّاع الطرق وتمرّدات وحدات من الجيش الإسباني في مناطق مختلفة، وكذلك فساد عدد من رجال الدين والقمع الذين مارسوه تجاه كلّ من شكّوا في معتقداته في تلك المرحلة، حيث أبرزهم في صورة كائنات مسخية.

تُعرض سلسلة "مصارعة الثيران" التي نفّذها غويا بين عاميْ 1814 و1816 بتقنية الحفر، وطوّرها من دون رؤية محدّدة بعد انتهاء الحرب، لكنّها أراد تصوير تاريخ هذه الرياضة العنيفة بترتيب زمني منذ العصور الوسطى، في تركيز على دمويتها بتكثيف درامي، لكنه لم يتمكّن من بيع أيّ عمل منها بسبب عدم تقدير المقتنين لها، وتفضيلهم الفنّانين الذين كانوا ينقلون أجواء البهجة والحماس بأسلوب تقليدي.

من المعرض
من المعرض

كما يحتوي المعرض بعض اللوحات التي رسمها في منزله بالقرب من نهر مانزاناريس، وحملت عنوان "الأقدار"، وفيها يستحضر التفسيرات الأسطورية للقدر وفق الأساطير الإغريقية والرومانية وفي مقدّمتها "أتروبوس"؛ إلهة الموت التي لا ترحم، حيث تنتشر مناظر القتل باللونين الأسود والبني، إلى جانب لوحة "زحل يلتهم ابنه" التي تجّسد أسطورة الإله الروماني الذي قتل ابنه تحسّباً لنبوءة كانت تشير إلى نهاية حكمه وحياته على يد أحد أبنائه.

في لحظة معقّدة من تاريخ إسبانيا، تملّكت غويا مشاعرُ الرعب والسخرية السوداء من السلطة بمستوياتها المتعدّدة، ورسَم كوابيسه بوصفها محاولة للاحتجاج ضدّ اللاعقلانية واللاأخلاق باسم أنظمة سياسية ودينية واجتماعية، شكّلت نقطّة تحوّل في تاريخ الفن وإمكانات توظيف "اللامرئي"، حيث تحلّ الخرافة في الواقع وتعيش معه جنباً إلى جنبه، بعد أن كانت قبل ذلك مجرّد أيقونات مرسومة على جدران الكنائس والقصور.

آداب وفنون
التحديثات الحية
المساهمون