تقديس الأشخاص


23 يوليو 2022
+ الخط -

قدر لي اللهُ أن يموتَ أبي وأنا لم أُكملْ الخامسةَ عشرةَ فأصابني وجعُ الشعورِ بالفقدِ، وأي فقد! لقد أحسستُ أن ظهري قد انكسرَ يومَ موتهِ، وقد شَعرتُ بالبردِ الشديدِ على الرغم من أنه ماتَ في شهر أغسطس أكثرَ شهورِ السنةِ حرارةً في مصر.

ولا غرابةَ في ذلك، لأن أبي كان مصدرَ قوتي، فقد كنت طفلةً خجولة للغاية لا أُسلمُ على أحدٍ قريبًا كان أو بعيدًا أو أُكلمُه إلا بدعمٍ منه ومساندةٍ، فكنت أشعرُ بالضعفِ الشديدِ في غيابِه في حين أشعرُ بكاملِ القوةِ في حضورِه، تلك القوةِ التي أحيانًا ما كانت تسولُ لي نفسي الخجول أن أُعامل من لا يعجبني بصلفٍ أو ربما بقلةِ ذوق، وقد كان يستوقفني هذا التباين في نفسي قُبيل وفاته.

ولا غرابة في ذلك أيضًا لأن أبي كان يُنقذني من الحَيرةِ التي تنتابني متى التبسَ علي أمرٌ فينتابني شعور براحةٍ وطمأنينةٍ له لذة منقطعة النظير في العالمِ الصغيرِ لطفلةٍ، وكان يصغي إلى حكاياتي الصغيرةِ ويجري معي حوارا ينتهي بتقويم فكري ورؤيتي للأمورَ، الأمرُ الذي كان يُشعرني بالنمو والاعتدادِ بالنفس، وهذا خليقٌ بإدخالِ البهجةِ والسعادةِ على الطفلِ، وكنت أبوحُ له بكل خصوصياتي، فكان أقربَ لي حتى من صديقاتي.

وكان أبي لا يستصِغرُ تساؤلاتِنا أنا وإخوتي أبدًا على الرغم من انشغالِه الشديدِ بالمصلحةِ العامةِ وبمنصبه في الدولةِ، فكان رحمه الله يردُ بكل أريحية على من يسأله منا: "أنت رايح فين يا بابا النهار دة؟". "عندي موعد مع رئيس الوزراء، ثم الوزير الفلاني، وبعدها أحضر جلسات المجلس وآجي نتغدى وأنزل أعزي في المكان الفلاني". كان يومه محموما على الدوام، وكنا لا نراه إلا ساعاتٍ قليلةً جدًا من اليوم لدرجة أن أمي كانت تدعو الله دوما أن تمطرَ السماءُ فيتعطلَ مخططُه لليوم فيمكثَ معنا ويتحدثَ إلينا على ضوءِ الشموعِ ولمباتِ الغاز، وكان مع ذلك كله لا يفوتُه أبدًا تقويمُ تصرفاتِنا إذا انحرفتْ ونحن نلهو ونلعبُ بجواره وهو يطالع الصُحفَ، فلا أنسى أبدا زجره لمن تجاوزَ منا بقوله بحسم: "عيييب"، وكنت أستغربُ في نفسي كيف يسمعُنا وهو مُستَغرقٌ في القراءة؟!

وقد كان حبي لأبي يزداد يومًا بعد يوم منذ الطفولةِ إلى أن بلغتُ وعقلتُ ورأيتُ الدنيا في يديه بما حظي من مكانةٍ فيها سواءٌ على مستوى المناصبِ أو في نفوسِ من عرفوه، لكني كنتُ ألمسُ أن الآخرة في قلبِه بما كنتُ ألاحظ من حرصِه الدائمِ على اتباعِ كتابِ الله وسنةِ رسوله في بيتنا وإحياءِ ذلك في نفوسِنا ونحن أطفالٌ بشكلٍ عفوي يثبتُ أن الإسلامَ بحقٍ منهجُ حياةٍ. لذلك، أحببتُ أبي حبا جما تجاوز الحبَ الأبوي الملائكي ليصيرَ إعجابَ شخصٍ عاقلٍ - رضي بالإسلام دينًا - بشخص مُسلم كما ينبغي لدرجة الفتونِ به إلى أن ماتَ أمام عيني، فكانت النقطةَ الفارقةَ في حياتي. 

أذكرُ أنني عندما أعلنتْ وفاة أبي بعدَ تأكيدِ الطبيبِ ذلك وسوسَ إليّ الشيطانُ بمكرٍ وكيدٍ قائلًا: "أهو مات أبوكِ مصدر قوتك" فزجرتُه بِحدةٍ: "لكن الله حي لا يموت". وقلتُ لأبي وهو خارجٌ من منزلِنا محمولًا على الأعناقِ بكل يقينٍ: "إلى اللقاء"؛ ذلك اليقينُ الذي زرعه فيّ وأنا ابنةُ الخامسةِ عندما تذكرَ مع جدتي (أمِّه) ذكرى وفاةِ أبيه بكل إجلالٍ لشخصِه رحمه الله طالبَينِ له الرحمةَ، ولما تأثرتُ بحوارهِما عن جدي سألتُ أبي: "هو أنا هأشوف جدي؟" رد عليّ بنبرةٍ حاسمةٍ زرعتْ في طفلة صغيرة اليقينَ بالبعث، ومنعتْ أيَّ شكٍ قد يتبادرُ إلى ذهنِها فيما بعدُ فقالَ: "أومااااال، كلنا حنموت وبعدين نقوم نتحاسب وبعدين نعيش في الجنة إن شاء الله إلى الأبد".

لكنني مع يقيني باللقاء، شَعرتُ بألمٍ شديدٍ نتيجةَ الفقدِ، فقد كنتُ كالغصنِ الذي وقعَ على الأرضِ بعدما ماتت الشجرةُ التي تحتويه فقاومتُ هذا الألمَ بهدايتي إلى التعلقِ بالخالقِ الذي لا يموتُ، فهو المنبعُ الذي كانتْ تشربُ منه الشجرةُ كما كنتُ ألمسُ في أبي من تعلقٍ بالله عز وجل. فخفف ذلك من ألمي، لكنه لم يمنعْ افتقاده خاصةً عندما التحقتُ بقسم اللغة الإنكليزية بكليةِ الآدابِ بجامعةِ عين شمس، إذ كنتُ أفتقدُ الحوارَ معه ومناقشتَه فيما ألاحظُه في أنشطةِ الطلابِ سواءٌ داخلَ مسجدِ الكليةِ وما أسمعُ من نشطاءِ التيارِ السلفي والإخوانِ المسلمين أو خارجَه، أو ما أسمعُ من نشطاءِ التيارِ الناصري، فقد كانَ يلفتُ انتباهي تقديسُ السلفيين لكبارِ مشايخِ السلفيةِ المعروفين بمظهرهِم وتيارهِم الدعوي الذي يغلب عليه الترهيبُ والتهويلُ، كما رأيت في طلابِ الإخوان تقديسًا لأقطابِ جماعةِ الإخوانِ، وعلى رأسهِم مؤسسُها حسن البنا فكانوا يذكرونه أكثرَ مما يذكرون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكان نشطاءُ التيارِ الناصريِّ يقدسون جمال عبد الناصر، فكنتُ أراهم جميعًا يبررون أفعالَ وأقوالَ كلِّ من يناصرونه لدرجةِ التقديسِ الذي يعني تنزيهَهم عن النقائصِ والعيوبِ وليس أحدٌ من مخلوقاتِ الله مُنزهًا عن العيوبِ والنقائصِ سوى من اصطفاهُم الله تعالى من الملائكةِ والنبيين والمرسلين، لذلك كانت تثورُ حفيظتي وأغتاظُ منهم جميعًا، وكنتُ أقولُ في نفسي الحمد لله الذي عافاني من تقديسِ أبي، على الرغم من مكانتِه العالية في نفسي بما شاهدت منه من أقوال وأفعال، فكيف لهم أن يقدسوا أشخاصًا لم يروهم؟! فهذا والعياذ بالله اعوجاجٌ لا يزيدُ صاحبَه إلا عمىً وتخلفًا عن رؤية الأمور بعينٍ مجردةٍ التي هي عينُ الحقيقةِ التي اعتمدهَا الإسلامُ لمتبعيه فأنكر عليهم فكرَ الكهنوتِ فلا واسطةَ في الإسلامِ بين العبدِ وربِه، والإسلامُ يأبى تقديسَ الناسِ لكنه مع تقديرهِم وإعطائِهم ما يستحقونَ نظيرَ أفعالهِم وأقوالهِم، فكيف للمسلمين أن يحررَهم الله ويرضَوا لأنفسهِم تقديسَ غيرِه؟

3E7A7174-FBAB-41EE-9E9B-17EE3A36DE1E
أسماء راغب نوار
كاتبة ومترجمة مصرية، عربية مسلمة، أعشق تراب مصر ولا يزال لدي أمل في نهضتها، أعتز بلساني العربي أيما اعتزاز، أتخذ من الإسلام منهجًا للحياة غير مقتصرة على تأدية العبادات، أود تطبيق العدالة بين الناس كافة، درست اللغة الإنجليزية وآدابها وأعمل مترجمة. تعرّف عن نفسها بالقول: "لقد أقمت حياتي على مبدأ أن المطلق الوحيد هو الله وما دونه قابل للأخذ والرد إلا ما أنزل على رسوله أو ورد عنه، ووجهت نفسي للانتصار للحق وليس للرأي، ورفعت عن عقلي الوصاية فاستقل رأيي".