وردٌ جديد يتفتح في حدائق مصر

09 مارس 2019
+ الخط -
هل حقاً يحدث شيء ما في ميداني التحرير ورمسيس في مصر؟ الأسئلة تناثرت يوم الجمعة الماضي، مع تناثر أنباء عن شخص أو أشخاص حاولوا الاحتجاج تأسّياً بأحمد محيي، الطبيب الصيدلي الذي رفع لافتة "ارحل يا سيسي" منفرداً يوم الخميس. لم تظهر أية أسماء أو صور، باستثناء مقطع مصوّر من بضع ثوانٍ، من دون التوثق من صحته، يُظهر شباباً يحاولون مقاومة اعتقال أحدهم. تدريجياً خلال الأيام التالية، بدأت أجزاء من الصورة تتكشّف: لقد شارك عشرات وربما مئات الشباب والفتيات بأعمار تتركز حول 16 – 20 عاماً بالاحتجاجات، من دون أن "نعلم"! وحيث إنهم بعيدون تماماً عن دوائر الأحزاب والحركات المعهودة، وكذلك عن معرفة آليات التوثيق الإعلامي أو التعامل القانوني، فقد اختفت آثارهم.
بعد بدء تلقي بلاغات الأهالي، ثم بدء ظهورهم في النيابات، وثّق المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية نحو 70 حالة، وما زال العدد يتزايد حتى لحظة كتابة هذه السطور. الحراك شمل محافظات عدة، تم توثيق القاهرة والإسكندرية والبحيرة والفيوم، وما زالت تتوالى بلاغات الاختفاءات أو مداهمات المنازل بها جميعاً. تلقيتُ اتصالاً من أحد الشباب المشاركين، من اللافت أنه بدأ بالقول إنه لا يعرفني مطلقاً، فقط تفحّص صفحتي، فاعتبر أنني قد أكون آمناً. حكى أنه اتفق على النزول بناء على تنظيم ارتجالي تم عبر مجموعة "واتساب" وليس عبر "فيسبوك" أو "تويتر" كما كانت العادة. شهد بعينيه لحظة القبض على أربعة شباب وفتاتين في ميدان رمسيس.
بعدها، تواصلتُ مع آخرين. المشترك بينهم هو المراكمة على روح ثورة يناير، والتي لم يشهدوها بحكم كونهم أطفالاً وقتها، لكن ليس تنظيمات يناير، ولا أيديولوجياتها. العديد منهم من عائلات أبعد ما تكون عن المعارضة السياسية. الوجه الأشهر، أحمد محيي الدين، ظهر أن والده كان لواءً في الشرطة، وكذلك كان عضواً في مجلس النواب عن الحزب الوطني في عهد حسني مبارك. وتعرفت إلى حالتين أخريين بأوضاع مشابهة، أسر عريقة في عدائها للثورة.
لقد نجحت السلطة حقاً في ضرب كل التنظيمات السياسية أو حصارها، وحدث انقطاع جيلي غير مسبوق، واليوم تدخل الجامعة دفعات بالكامل لا يوجد فيها طالب واحد ناشط سياسياً. وفي المقابل، لم يغير هذا من واقع أسباب الغضب، وهي، بعيداً عن كل التفاصيل السياسية تتمثل، في النهاية، في المطالب المباشرة لهذا الجيل الجديد بمستقبل أفضل في ظل تردّي الأوضاع الاقتصادية الحاد، ولمسهم بأنفسهم معدّلات الفساد وتردّي الخدمات التي كان مُفجرها الجديد هو حادث قطار رمسيس.
كما لم يغير هذا من واقع تأثّرهم بإلهام ثورة يناير، الحلم بالأفضل، وحق الشعب في أن يريد. وكذلك تأثّرهم بما يرونه في العالم من حولهم، الذي يتناقض بالتأكيد مع تعديل الدستور، ليحكم رئيس 20 عاماً، وهو ما لا يمكن "للماشطة" تجميل عكارته أبداً.
ولعل هذا الانقطاع، بحد ذاته، أحد أسباب جرأتهم على الحراك من دون تبصّر كافٍ بالعواقب. وبقدر ما يثير انبعاث هذا الحراك من تحت الرماد التفاؤل، يثير القلق من مصيره إذا ظل في صورته الحالية: غضباً عشوائياً، وهبّات عاطفية، وتطهّرية فردية.
وقد شهدنا بالفعل كيف تم إجهاض بذور حراكاتٍ سابقة، مثل التي ظهرت بشأن جزيرتي تيران وصنافير 2016، وحملة خالد علي 2018، وقد أحرزت الأجهزة الأمنية خبرةً في ضرب التنظيمات انتقائياً. كما شهدنا أخيراً القبض على الكوادر الأربعة من حزب الدستور، وذلك بعد فترة قصيرة من إنهاء الحزب انقساماته بانتخابات شارك فيها نحو خمسمائة عضو، ما يعني أن هناك خمسمائة شخص استمرّوا على نشاطهم الحزبي، ودفعوا اشتراكهم بانتظام في هذه الظروف. لعل واجب الوقت محاولة إيجاد طرق للتواصل مع الجيل الجديد من الغاضبين، ونقل الخبرات إليهم، وتقديم الأدوات المتاحة، ليبحثوا بأنفسهم عن طرقٍ جديدةٍ ومبتكرةٍ تجمع بين المبادرات الفردية وحدٍ أدنى من التنظيم أو التنظيمات الصغيرة. ولعل الأيام المقبلة تحمل مفاجآت أخرى. "ما دامت مصر ولّادة"، فما زالت القصة لم تنتهِ بعد.
دلالات