متى قيامة العراق؟

16 يوليو 2014

نيران تفجير انتحاري لسيارة في كركوك (يوليو/2014/الأناضول)

+ الخط -

قلنا إن "غزوة الموصل" ستكون علامة فارقة بين مرحلتين، وسوف لن يكون ما بعدها كما كان ما قبلها، غضب منا بعضهم، وقالوا إننا ننقل ما يقوله أعداء العراق، ونروج خططهم السوداء!
قلنا إن "غزوة الموصل" مصيدة مركبة، تتشابك خيوطها، إلى درجة أنك لن تستطيع أن تفرز بين خيطيها الأبيض والأسود، ردّ علينا بعضهم بالقول إننا نأخذ بظاهر الحال، من دون التعمق في حقيقته، وإن الغزوة بيضاء نقية تسرّ الناظرين، فيما قال آخرون إنها موجة عابرة، لا تلبث أن تختفي، وإننا بقدر اهتمامنا بها نعطيها عمراً أطول! وقلنا إن ديكتاتور بغداد، البارع في صناعة الأزمات، يريد أن يهدم المعبد على ساكنيه، فقالوا إنك تغرق في التشاؤم والشكوك، قلنا إن الاستبداد يؤسس للفساد، والفساد يؤسس للظلم، والظلم يحول المظلومين إلى ثوار، قالوا إن الديموقراطية لا تُبنى دفعة واحدة، إنما تنمو وتتجذر، يوماً بعد يوم. قلنا إن "العملية السياسية" التي جاء بها الأميركيون عملية تمييزية إقصائية ظالمة،

تقوّض وحدة البلاد، وتصنف الناس طائفياً إلى درجة تحويل الآخرين إلى خصوم سياسيين، مما يستحث مشاعر الظلم، ويحفز الردود الطائفية المضادة، قالوا إن العملية السياسية هي "قدس الأقداس" لا يجوز النيل منها، أو الاعتراض عليها!
ما حدث بعد ذلك أكد ما قلناه، وما لم يحدث بعد سيجعل كثيرين يعضون أصابع الندم، فقد جرت المياه تحت أكثر من سدّ، "داعش" أسست أول دولة خلافة في التاريخ الحديث، واستطاعت، في غفلة عن الآخرين، أو بتواطؤ معهم، أن تسيطر على مساحات كبيرة من أرض العراق، وأن تمتلك وفرة في المال والنفط والسلاح والبشر، تجعلها قادرة على الثبات والتقدم، والخليفة إبراهيم، عبر الحدود وتخطى المعابر حتى وصل إلى مسجد (الموصل) الكبير، لأخذ البيعة، وحسم الكرد أمرهم، لجهة الاستقلال "متمسكين بحق تقرير المصير الذي يختاره الشعب بإرادته الحرة"، و"المرجعية" دخلت المعترك السياسي على نحو صريح ومكشوف، معطية الفرمان الشرعي لدولة الطائفة الغالبة، كما الحال في دولة "ولاية الفقيه" في إيران، وتجذر الاستقطاب الطائفي على نحوٍ، لم يسبق له مثيل، وقد وصل إلى مدياته الأقصى، على النحو الذي ظهر في بيانات "الثوار" و"العلماء" و"جيش الطريقة"، وتحالف عزت الدوري مع القاعدة وداعش، و بدا أن الحرب الأهلية ليست قادمة فحسب، إنما هي قائمة بالفعل، وانهمك رجال المخابرات الغربيون، المعنيون بالعراق، بالحديث ليس عن تفكيك العراق فحسب، إنما عن زواله.. ويا للهول!
لم يعد أمامك من خيارٍ، إذن، فقد وضعوك بين حد السيف وحد السيف، وعليك أن تختار، دولة الخليفة إبراهيم وحكم العشيرة، أو دولة المرجعية وانتظار ظهور المهدي، ولا خيار ثالث لك، أما الديموقراطيون والعلمانيون ودعاة الدولة المدنية فقد تحولوا إلى "موضة" قديمة، وانكفأوا يندبون حظوظهم العاثرة، بعدما أضاعوا مائة عام من عمر الشعوب، مائة عام صدّعوا رؤوسنا فيها، بشعارات الحرية والديموقراطية والعروبة العاقلة. أين هم الآن؟ يقال إنهم يخرجون من كهوفهم كل ليلة، ليقرأوا على الناس مزاميرهم. لكن، على من تقرأ مزاميرك يا داود، فقد تحولت الحشود التي كانت تلتف حولك إلى قطيع يلهث وراء الراعي الذي وحده يقرر متى يعطيه علفه؟ ألم يقل الحاكم مرة "جوع كلبك يتبعك!"، وها هم يجوعون ملايين من البشر الفارين من ديارهم، بسبب من الظلم والقمع والقتل، إلى الخيام المنصوبة المشرعة لهم، منتظرين معونات الأمم المتحدة، وصدقات دول الغرب والجوار التي لن تصل إليهم، قبل أن يأخذ المرابون وتجار الحروب حصتهم منها. إنه "التيه" الذي يقول بعضهم إن العراقيين دخلوا فيه منذ التاسع من إبريل/نيسان 2003، فيما يقول آخرون إنهم دخلوه قبل ذلك، و"التيه"، كما قد لا يعرف كثيرون، قد يدوم أعواماً، أو عقوداً، حتى يقيض الله لهم من يدرك الحكمة، ويتمتع بالنزاهة، ويحترم عقول الناس.
أتراني متشائماً؟ خوزيه سارماغو البرتغالي الحائز على نوبل يقول "إذا كان ثمة وسيلة لتحويل العالم إلى أفضل، فهي التي يمكن القيام بها عبر التشاؤم فقط. المتفائلون لن يغيروا العالم نحو الأفضل أبداً"، وأجدادنا قالوا "اشتدي أزمة تنفرجي"، وإن بعد دهر!
مزيداً من التشاؤم، إذن، مزيداً من معاناة الإحباط والخيبة، مزيداً من اجترار الندم وجلد الذات، ومزيداً من الاقتتال والضحايا الأبرياء الذين لديهم ألف ناقة ضائعة وألف جمل!
"أما الأرض فسوف تظل غارقة بالدماء، حتى توشك أن تصبح مذبحاً ضخماً، يحول كل شيء أمامه إلى قربان، بلانهاية، حتى تستهلك كل الأشياء وتنقرض، وحتى يموت الموت، عند ذاك فقط، بحسب سلفادور دالي، تنبثق الحياة من جديد".
عندئذ تبدأ قيامة العراق من رماده، ويبعث حياً من جديد، إنه طائر الفينيق الذي سارت به الركبان.


 

583FA63D-7FE6-4F72-ACDD-59AE85C682EB
عبد اللطيف السعدون

كاتب عراقي، ماجستير علاقات دولية من جامعة كالجري – كندا، شغل وظائف إعلامية ودبلوماسية. رأس تحرير مجلة "المثقف العربي" وعمل مدرسا في كلية الاعلام، وشارك في مؤتمرات عربية ودولية. صدر من ترجمته كتاب "مذكرات أمريكيتين في مضارب شمر"