لبنان بلد المخاض المستحيل

26 يوليو 2014
+ الخط -


خيمة على الحدود اللبنانية السورية، نصفها تماماً في سورية ونصفها الآخر في لبنان، يدخل فؤاد شهاب، الرئيس اللبناني الأسبق، من الباب اللبناني، فيما يدخل نظيره المصري، جمال عبد الناصر، من الباب السوري. يجتمع الرجلان، يدلو كلٌ منهما بدلوه في السياسة والأمن، ويفترقان!

قصة قد تبدو غريبة، وهي كذلك، لكنها تُعطي صورة واضحة عن لبنان، هذا البلد المعّقد الذي لا بد أن تتعاطى مع قضاياه كلها، بميزان الذهب، فلا إمكانية، يومها، لاجتماع رئيس الجمهورية اللبنانية بنظيره المصري، إلا وفق الآلية التي وردت أعلاه، ومن دون ذلك، ستنطلق الحساسية المارونية، والاندفاع السني، وحرب أهلية طاحنة قد تنطلق بمجرد أن تلامس قدم عبد الناصر حبة تراب تقع ضمن الـ 10452 كلم مربعاً.

هي الحساسية اللبنانية "المفرطة" تجاه أي قضية، فلا مجال للبحث في مؤتمر تأسيسي، أو تعديل دستوري، يمس جوهر "اتفاق الطائف". لا مجال لانتخاب رئيس للجمهورية، بعيداً من توافق إقليمي، دولي، محلي مسبق. لا مجال للتوافق على مخيّماتٍ مركزيةٍ للنازحين السوريين في لبنان، على الرغم من وجودها العشوائي داخل القرى والمدن اللبنانية، لا مجال لإقرار قانون انتخابي جديد، لا يراعي مصلحة النافذين، وخصوصية الطوائف والمذاهب، لا مجال، حتى، لتنفيذ ما اتفق الجميع عليه كــ "إعلان بعبدا،" أو ترسيم الحدود وتنظيم السلاح خارج المخيمات الفلسطينية وداخلها.

وفي هذا السياق، شواهدٌ لا تنتهي، فالعماد ميشال عون، مثلاً، يستطيع أن يقدم اقتراحاً يقضي بانتخاب رئيس الجمهورية، مباشرة من الشعب، وفق آلية تُنفذ على مرحلتين، لكنه يدرك، في قرارة نفسه، أن اقتراحه لا يُساوي ثمن الحبر الذي كُتب به، لأنه، وبكل بساطة، سيعيد إنتاج المارونية السياسية التي يرفضها الجميع.

ويستطيع سعد الحريري، ومن خلفه قوى 14 آذار، أن يطالب، مع إشراقة كل صباح، بنزع سلاح حزب الله، وأن يستحضر التاريخ القريب والبعيد، وأن يصرخ، بكل حناجره، رفضاً وتنديداً ووعيداً، لكنه يدرك أن مطلبه لا يتعدى كونه محاولة لاستعادة التوازن السياسي والشعبي، لا سيّما في ظل خشية بعضهم من عودة السنية السياسية، ولو بشكلها المنقّح.

يستطيع حزب الله أن يقتلع الرئيس سعد الحريري من رئاسة الوزراء، وأن يزرع مكانه غصناً من شجرة تحالفاته. يستطيع أن يغامر سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، لكنه يدرك بأنها حالة استثنائية، ترافقت مع جو إقليمي غير متوازن، ويدرك، أيضاً، أن الشيعية السياسية ستؤسس لحرب أهلية طاحنة، وبالتالي، كان لا بد من العودة إلى منطق التوازن السياسي والطائفي والمذهبي.

كل هذه القضايا مرشحة أن تتحول إلى حرب أهلية، في بلد يتراقص على وقع الجنون السياسي، لا حاجة، هنا، لعنوان يقتتل عليه اللبنانيون، فقد تشعل مباراة لكرة السلة بلداً برمته، وقد ينساق الجميع وراء حروبٍ عبثيةٍ، على خلفية نزاع تجاوز عمره قرناً ونيّفاً، لم يترك اللبنانيون، منذ استقلالهم، قضيةً إلا وتنازعوا عليها، انطلاقاً من الوحدة العربية والمد الشيوعي وحلف بغداد، مروراً بالقضية الفلسطينية والحرب الباردة والاجتياح الإسرائيلي، وصولاً إلى الثورة السورية وحتى البرنامج النووي الإيراني!

ربما هو مخاضٌ مستحيل في بلد مستحيل، بلدٌ تجتمع فيه تناقضات المنطقة، من المضيق إلى المضيق. لا شيء هنا يمر بلا ضجيج، لا مكان للحياد الإيجابي، أو الاستقرار السياسي الأمني المتواصل. لبنان، كان وسيبقى، قطعة جغرافية ملتهبة، وساحة أبدية لتصفية الحسابات وتسوية التوازنات وصراع الأمم.

607E2EAD-7B79-43A0-9903-2FB14109BCEF
607E2EAD-7B79-43A0-9903-2FB14109BCEF
قاسم يوسف (لبنان)
قاسم يوسف (لبنان)