سماوات سكنتني

13 يونيو 2015
النجوم شيء عادي جداً وما كانت تسحر أحداً (imgsoup)
+ الخط -
كانت أمّي صاحبة الهمّة الكبرى في شراء قطعة أرض، وبناء منزل لنا، بدل منازل الإيجار التي تنقّلنا بينها، ورغم أنّها لم تستطع منع دموعها على فراق بيت الإيجار وسط البلدة.
أنا، لم أعرف أنّي سأحظى بحياة أخرى، ما كانت لتتقاطع مع الحياة التي كانت ستقدّر لي لو عشت في بيت الإيجار، في مربّع الذروة السكانية ذاك.

لقد كان كل شيء جميلاً، ذاك الصيف الذي انتقلنا فيه إلى بيتنا الجديد، حيث الحديقة والدار والشرفات الغربية المطلّة على الوادي والبحر، وتلك الشرقية المطلّة على الجبال وأيضاً مطلع القمر.

كان القمر كما تغنيه فيروز يطلع من جبالنا وتلالنا.
لم تعن الشمس الكثير لي، سوى انني كنت أنتظر غروبها بصبر، لأجل إحصاء تدرجات ألوانها، وتماوجها في الأفق.. وأيضاً الإيذان بظهور النجوم.
النجوم كانت أوّل شيء سحرني في حياتي البسيطة البريّة تلك.

النجوم شيء عادي جداً وما كانت تسحر أحداً، حتى العاشقين، بعدما ثبت أنّها مجرد التماعات لأجسام محتضرة ستنطفئ قريباً، وحيدة وسط مليارات النجوم.

كانت حول منزلنا مساحات من الأراضي البكر، أقسى ما عبرها حوافر حمار أو خفّ فلاح أو نعال عجائز أرامل، يرتزقن من جمع الأعشاب البرية الصالحة للأكل. وكان البحر أمامنا، أمام نافذة غرفة نومي التي أتشاركها مع أختيّ، وبحكم سطوة الأخت الكبرى احتكرت رفاهية وضع سريري تحت النافذة مباشرة، فكنت أول من يستقبل أضواء النجوم ونور القمر ونسائم الليل العليلة، وأيضاً بروق السماء ورعودها شتاء وصواعقها أحياناً.

وقد كنت الأقرب بينهما للطيران والفرار. ليس لقربي من النافذة، بل لقربي من النجوم. قرابة لا علاقة لها بالجغرافيا، بل بالودّ وطيب العشرة وأيضاً الثقة. فقد كنت أعرف أن بين تلك النجوم اللامعدودة، نجماً واحداً على الأقلّ يمكنه أن يأخذني من سريري إليه.

ذات ليلة أيقظني وهجٌ آلم أعصاب عيني، فتحت جفنيّ بصعوبة، وتمكّنت بعد ثوان من رؤية القمر دموياً محتقناً مكتمل الاستدارة، كأنه الرغيف السخن الشهي الذي يحلم به كلّ من ناموا جوعى.

لاحقاً عرفت بأمر "القمر الدموي" وتفاصيل تلك الظاهرة الفلكية وتوابعها... لكن تلك الليلة رأيت الساحر الذي حدست بوجوده في قبّة الكون يومض لي، ويحييني وربما يرسل لي رسالة.
"من تنتظرينه قادم".

مضت سنوات في بيت الزوجية قبل ان أنتبه إلى أنّ جزءا كبيراً من اكتئابي وثقل أيامي يعود لافتقاد مشهد النجوم، وأنّ أياً من نوافذ المنزل السفلي ذاك، لم تكن تفهم توسّل نظراتي الشاردة وهي تبحث عن فتحة مضيئة.

وحين انتقلنا إلى غربتنا الخليجية، كان من الصعب التمتّع بصفاء سماء الصحراء شتاء، إذ كانت المباني التي تملك شرفات نادرةً جداً، وكانت النوافذ لا تفتح، بل هي مجرد منفذ لضوء النهار أو لضرورات هندسية معمارية، وكانت مدجّجة بالستائر السميكة لتحجب وهج الشمس والحرارة. نادراً ما فتحت نافذة، بسبب الجيران، وعواصف الرمل، والغبار النشط كبعوض بلدتنا.

الآن، في مواجهة شاشة بيضاء، وأمام أزرار الكيبورد أبحث عما أفتقده، علّني أقطع نصف المسافة نحو العثور عليه.

إني أفتقد رؤية السماء. والحقّ إني أفتقدها في ليلها ونهارها.
أفتقد ذاك المكان الوحيد الذي فقدت إيماني به، رغم وعودي ألا أفعل، ونسيت أمره كلياً سنوات طويلة.

سرقتني هموم وأحلام أخرى. اعتقدت أنّها أهمّ من حلم رومنسي بالهرب إلى ربوع مختلفة.
كثيرون يحلمون ببراغ وباريس وفينيسيا وبالي وأصفهان وبرشلونة والمالديف... الحقّ إني مثلهم طالما فعلت وحلمت، ولكن لم أتحرك نحو أي من هذه الأماكن قيد أنملة. والحقّ الأنصع أنني قد لا يتسع عمري المحدود لزيارة الأماكن التي أحلم بها، ولكني أمحو إخفاقي وأنا أقول لنفسي إني عند حدود انتهاء عمري سأتمكّن من تحقيق الحلم الأسمى الذي عرفته أبداً: السكن في السماوات التي سكنتني، وغادرتها من دون وقت للدموع.

أنا نفسي سأختار نجماً يحتضر لأرقد هناك، وأكتشف أنني أنظر إلى المرآة التي تستلقي فيها طفلة تقاوم النعاس وتأبى أن تنام في الليالي الصافية، تحدّق إليّ، وتصلي لإله طيّب صنعه خيالها، ولم يفارقه.
دلالات
المساهمون