روسيا ومصر: رهان اقتصادي على نظام عسكري

27 يونيو 2014
خلال لقاء جمع بوتين بالسيسي منذ أشهر(ميخائيل متزل/فرانس برس/GETTY)
+ الخط -

يتبين من خلال جولة سريعة في تاريخ العلاقة بين مصر وروسيا، تعقيدات هذه العلاقة والعثرات المتعددة التي اعترضتها. فقد شهدت العلاقات بين البلدين فترات نهوض وبلغت ذرى تاريخية، كما مرت بانتكاسات، بل سادتها القطيعة في فترات. ويبدو أن سلاح العسكر لا يحمي العلاقات الاقتصادية ولا الأيديولوجيا تفعل ذلك. الأنظمة الاستبدادية والأنظمة الأداتية لا تفكر بخسائر شعوبها وبلدانها. فهل تقع روسيا في مطب المراهنة على العسكر، مرة أخرى، في تجربتها مع مصر أم أنها تعلمت كيف تكسب؟

 

من عبد الناصر إلى مبارك

أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفييتي ومصر في العام 1943. وبعد الإطاحة بالملك فاروق في العام 1952، ومجيء جمال عبد الناصر إلى الحكم تحولت العلاقات بين البلدين إلى علاقات صداقة وثيقة. وفي الفترة ما بين العامين 1955 و1975، قدم الاتحاد السوفييتي لمصر مساعدات عسكرية بمليارات الدولارات، وغالبا دون مقابل.

المنفعة الاقتصادية من العلاقات مع البلدان الأخرى، كانت آخر ما يهم الاتحاد السوفييتي، والأيديولوجيا على رأس الأولويات. ومع ذلك، فإضافة إلى الأسلحة، ساعد الاخصائيون السوفييت في بناء عشرات المنشآت في مجالات الطاقة والتعدين.

ولكن الرئيس أنور السادات قام بالانقلاب على خط عبد الناصر، بعد استلامه الحكم إثر وفاة الأخير، وطرد في العام 1981 الدبلوماسيين السوفييت من القاهرة. إنما الوقت لم يطل بالسادات حتى اغتيل في العام 1983.

جاء حسني مبارك رئيساً، وأعاد السفير السوفييتي إلى القاهرة، وحينها تمت تسوية الديون المصرية بطريقة ضبابية، وعاد الدفء إلى العلاقات بين البلدين. ثم ما إن انهار الاتحاد السوفييتي حتى ساءت العلاقات بين مصر وروسيا من جديد، إلى أن جاء فلاديمير بوتين إلى الحكم فعادت إلى الانتعاش.

علاقة وثيقة مع السيسي

واليوم، مع مجيء عبد الفتاح السيسي إلى سدة الرئاسة المصرية، تقول الصحافة الروسية إن هناك أساسا قوياً لدى الكرملين لاعتبار العلاقات مع مصر علاقات صداقة أفضل مما كانت عليه في عهد مبارك.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2013، اتفق الطرفان على صفقة سلاح كبيرة، تبيعها روسيا لمصر، وتسدد قيمتها السعودية. كما أشارت الصحافة الروسية إلى أنه وربما لتعقيدات علاقة السيسي بواشنطن اختارت القاهرة موسكو شريكا بديلاَ. ولا يبدو أن موسكو غافلة عن ذلك، فهي تتعامل بحذر مع العسكر المصري، آخذة في الاعتبار ارتباط قراراته الاقتصادية بتحالفاته السياسية التي تخدم بقاءه في الحكم.

السلاح قبل الاستثمارات

من زاوية الاستثمار الاستراتيجي، ثمة مشكلة تكمن في رجحان كفة السلاح في العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

وعلى خلفية ذلك، هناك من يقول في روسيا: "ربما لا يجدر الاستثمار في مصر، فليشتروا لأنفسهم السلاح والحبوب حيث يريدون". مقابل هؤلاء، تجد من يقول: "بالطبع دعهم يفعلون، ولكن ما الذي يمنع روسيا من استغلال التغيرات السياسية في مصر لمصلحتها، والإفادة من مجيء سلطة ميّالة للتعاون مع روسيا، مقارنة بحظوظ الصين على الأرض المصرية؟" ذلك ما يمكن أن تقرأه على موقع "كونتيناتاليست" الروسي.

بالمقابل، فإن الأميركيين الذين تسرّعوا في الإعلان عن إيقاف المساعدة العسكرية السنوية لمصر والبالغة 1.5 مليار دولار، بعد انقلاب السيسي العسكري، سرعان ما تراجعوا عن قرارهم، وعلى الأغلب لاعتبارات تتعلق بأمن إسرائيل، والخشية من دفع السلطة الجديدة في مصر إلى نهج غير مناسب لتل أبيب وإلى خيارات جيوسياسية في غير مصلحة الولايات المتحدة.

فلا مصلحة لإسرائيل في أن تدير الولايات المتحدة ظهرها لمصر، ولذلك فهي تحاول إقناع أميركا بالإبقاء على مصر في عناق يكبّلها، سياسيا واقتصادياً.

موطىء قدم اقتصادي

ما سبق، لا ينفي وجود أفق جيد لتطور العلاقات الاقتصادية بين موسكو والقاهرة. وهذا الأفق، لا يتحدد بصفقات السلاح إنما بالظروف الاقتصادية الموضوعية، أي بحاجة مصر إلى روسيا ومصلحة روسيا في ذلك. فحيتان الاقتصاد المصري المعاصر الثلاثة هي: السياحة وقناة السويس واستخراج الغاز الطبيعي. هناك اثنان منها لروسيا مؤطىء قدم فيها.

في استثمار قناة السويس، لا ترتهن مصر لأحد. أما في مسألة الغاز والسياحة فيمكن للتعاون مع روسيا أن يكون وثيقا ويحقق مصلحة متبادلة.

يذكر أن المواطنين الروس، الذين لا تمنعهم حتى الاضطرابات من الاستجمام، أنقذوا عملياً السياحة المصرية في العام 2013. فقد ذكرت مواقع الكترونية متخصصة بالسياحة أن عدد السياح الروس إلى مصر بلغ خلالها 2.5 مليون سائح، على الرغم من عدم استقرار الأوضاع الأمنية هناك.

كما أن مصر الواقعة في أسر حاجتها إلى الغذاء، استوردت في العام نفسه من روسيا قمحاً بقيمة 3 مليارات دولار، محققة المرتبة الأولى بين مستوردي القمح من روسيا.

أما الدفعة التي يمكن أن يتلقاها تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين، فينتظر أن تأتي من توقيع اتفاقية تجارة حرة بين مصر والاتحاد الجمركي الأوراسي، الأمر الذي يدور الحديث عنه في الأوساط السياسية والاقتصادية الروسية.

وربما كان الأهم من ذلك، ما نقلته وكالة "إنترفاكس"، في السادس والعشرين من مارس/آذار، عن نية موسكو والقاهرة إنجاز مشروع نقل الغاز الروسي المسال إلى مصر.

فالمشاريع التي تخطط "غازبروم" و"غازبروم نفط"، من خلالها لتوريد الغاز الروسي المسال إلى مصر "واعدة"، وفقا لتعبير نيقولاي فيودوروف، وزير الزراعة الروسي، والرئيس المشارك في اللجنة الروسية المصرية للتجارة والتعاون التقني العلمي بين البلدين. ووفقا له، فإن المشروع الذي تخطط له "روس أتوم" لبناء محطة نووية في مصر واعد أيضا، حيث أكد "أن هذه المشاريع ستحظى بدعم الحكومة الروسية".  

المساهمون