انقلاب السودان بعيون الصحافة الغربية: تفاؤل برحيل الديناصورات وخشية من متلازمة السيسي

12 ابريل 2019
يتمسك السودانيون بخيار الشارع(Getty)
+ الخط -
احتل السودان صدارة العناوين الدولية في الصحافة الغربية. تطورات يوم أمس الخميس في هذا البلد، الذي استفاق لأول مرة منذ عقود من دون عمر البشير، رأت فيها صحف كبيرة، كما تحدثت خلال الأشهر السابقة، منذ بداية الحراك الشعبي في دولة أفريقية أخرى، هي الجزائر، تتويجاً لموجة جديدة من الربيع العربي، من دون إخفاء القلق من المستقبل في بلد لن ينهي غياب البشير عن مشهده السياسي مشاكله المتراكمة، مع خشية عميقة من انسحاب "متلازمة السيسي"، في إشارة إلى القبضة التي يحكم بها عبد الفتاح السيسي مصر اليوم، على مصير السودان. 

الصحافة الفرنسية: تعاطف العسكريين

مصير السودان معلق على "بيان مهم". ظلّ هذا العنوان، لساعات أمس، يتصدر الصفحة الإلكترونية لموقع صحيفة "لوموند" الفرنسية، بعدما طال انتظار بيان الجيش السوداني، رغم التوقعات بتنحي أو الإطاحة بالبشير، وهو عنوان لخّص حالة الترقب في العالم، للتطورات المتصاعدة في هذا البلد، منذ أشهر.

وفي صورة حملت وضوحاً أكثر، تحدثت "لوموند" في عددها الصادر اليوم، عن اليوم الأول للسودان منذ عقود "من دون عمر البشير"، الذي بنى سلطته بالقوة، أولاً ضد معسكره نفسه، ثانياً ضد شعبه. واعتبرت الصحيفة أن قرار الجيش أمس بفرض حظر التجوال، هو رسالة للمتظاهرين، لكن إذا كان الحراك قد صمد، خاصة خلال الأيام الأخيرة، فهو "بفضل أخوة وتعاطف من قبل ضباط وعسكريين من الصف المتوسط، خاصة حول مقر وزارة الدفاع"، رغم أنه "مع الانقلاب، عاد الوضع لينقلب بشكل راديكالي".


من جهتها، رأت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، أنه "أخيراً، ليست المحكمة الجنائية التي تمكنت من الديكتاتور السوداني، الذي استمر ممسكاً بالسلطة في بلاده منذ العام 1989، بل شعبه"، مستعيدة تاريخ حكم البشير الذي وصفته بـ"المستبد والعنيف"، والذي اتسم خاصة بالفظائع التي ارتكبت في إقليم دارفور، واستقلال الجنوب.

ورأت الصحيفة أن ما أنهى حكم البشير الوحشي فعلياً، ليس تمرداً عسكرياً، لأنه "أمضى حياته بإغراق أي تمرد بالدم"، ولا حتى مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية التي "احتقرها علناً"، بل شعبه "العنيد، الشجاع، والذكي".

واستعادت الصحيفة محطات من تاريخ حكم البشير، منها، دعوته زعيم تنظيم "القاعدة" الراحل أسامة بن لادن للإقامة في السودان، ثم لاحقاً، تمكنه من الإفلات من "الجنون الأميركي" خلال "الحرب على الإرهاب" التي أطلقها جورج بوش الابن ضد ما سماه "محور الشر"، لأنه كان "مستعداً لكل الصفقات لإنقاذ عرشه". وبحسب الصحيفة، فقد تحول المهاجم الشرس لأميركا إلى متعاون متفانٍ مع وكالة "سي آي إيه"، في مهمة أوكلها إلى رئيس الاستخبارات والرقم الثاني في النظام، صلاح عبد الله غوش، لتختم "ليبراسيون" بالقول إن سودان عمر البشير لم يعرف السلام بتاتا.

الصحافة الأميركية: التنبه لدرس مصر

من خلال المقارنات، رسمت صحيفة "نيويورك تايمز"، اليوم الجمعة، صورة ضبابية عن الوضع الذي ينتظر السودان بعد تسلم العسكر قيادة مرحلة انتقالية في البلاد، وخيبة أمل المتظاهرين وتمسكهم باستمرار الحراك.


المقارنة الأولى، التي ارتبطت أيضاً ببورتريه للبشير، الذي وصفته في عنوان بـ"عنكبوت الشبكة الكبيرة"، عكست ما حاول هذا الرجل الإيحاء به دائماً، لجهة خلفيته "المتواضعة"، ووصوله إلى السلطة "من قلب الشعب"، استناداً إلى رواية محببة لديه، حول رفضه "وضع ضرس فضي، عوضاً عن آخر مكسور، وإشارته إليه طوال الوقت أمام ضيفه". لكن الصورة الفولكلورية التي اصطنعها البشير، تتناقض بحسب الصحيفة، مع الصورة عنه في الغرب، كرجل حرب بلا شفقة، وحاضن للإرهاب، ومطلوب دولياً. لكن، وبغض النظر عما يرسمه الغرب عن البشير وزعماء عرب آخرين من صور، فإن المقارنة الثانية التي لخصتها الصحيفة، حول مستقبل السودان، تبدو أشد تأثيراً، فالرجل "كالعديد من الزعماء العسكريين، أحب الادعاء أن السلطة فرضت عليه، وأنه تسلمها على مضض". وهو قال عندما استولى على السلطة في العام 1989، إن "هذا البلد لا يشجع أحداً على الاستمتاع بالسلطة، هذا البلد منهك ومنهار"، لكن بحسب الصحيفة، فإن "البشير يغادر المشهد تاركاً السودان بنفس الحالة التي تحدث عنها في تلك الأيام، لكن ما هو أقل وضوحاً، هو ما إذا كان بإمكان من سيخلفه إصلاح الأمور سريعاً، فالاقتصاد المنهار، يحتاج إلى ضخ كبير للعملة، والصراعات الحالية في مناطق سودانية عدة، لا مؤشر على أنها ستهدأ، كما أن التاريخ في البلاد، في التسعينيات والثمانينيات، شهد عودة سريعة إلى الحكم العسكري بعد سنوات قصية من حكم مدني فوضوي".

وبحسب آلي فرجي، الخبير لدى معهد السلام الأميركي، والذي تحدث لـ"نيويورك تايمز"، فإن "الشعب السوداني يريد التغيير، لكن مشاكل السودان بنيوية، وهي ليست مرتبطة بشخصية (البشير مثلاً). حتى مع رحيل البشير، لن يشفى السودان بين ليلة وضحاها".

ورأت الصحيفة أن تمسك السودانيين بخيار الشارع في وجه إعلان "المجلس العسكري الانتقالي" يعني أنهم استفادوا من دروس ليبيا واليمن ومصر.

من جهتها، ربطت صحيفة "واشنطن بوست" بين أحداث السودان والجزائر، اللذين شهدا في فاصل أيام قليلة، "رحيل ديكتاتورين في العالم العربي استسلما لإرادة الشعب".

ورأت الصحيفة أن المتظاهرين في كلا البلدين "مدركون بعمق لهشاشة مكاسبهم الحالية"، رغم أن الشعبين يصحوان اليوم، وبلداهما أمام مرحلة جديدة عنوانها التغيير، مع خشية، رغم اختلاف المعطيات، بأن ينقض "الحرس القديم" في كل من الجزائر والسودان على المكتسبات، ويفرمل اندفاعة الثورة المطالبة بالديمقراطية في البلدين، التي تقع في إطار الثورات الشعبية التي هزت العالم العربي في العام 2011.

وهنا، تذكر "واشنطن بوست"، بـ"درس مصر"، التي أدت ثورتها إلى الإطاحة بحاكم مستبد، لكن مع "إمساك المنظومة العسكرية اليوم بالحكم". وتضيف الصحيفة أن "القبضة الحديدية غلبت من خلال ثورة مضادة قادها عبد الفتاح السيسي في العام 2013، والذي أرسل منذ ذلك الحين آلاف المعارضين إلى السجون، وقمع الصحافة والمجتمع المدني".

ورأت الصحيفة الأميركية أن المتظاهرين في السودان والجزائر "مصممون على عدم وقوعهم ضحايا المصير نفسه، كما حصل في مصر، ولذلك فهم متمسكون بخيار عدم مغادرة الشارع، مطالبين بتنحٍ بالجملة لجميع رموز النظام في بلديهما، لكن تصميمهم سيكون محل اختبار خلال الأسابيع المقبلة".

وذكّرت الصحيفة بأن ظل السيسي يخيم على الرجل الذي أطاح بالبشير، وزير الدفاع السوداني، عوض بن عوف، فيما جاء الإعلان عن ضرورة رحيل عبد العزيز بوتفليقة بالجزائر على لسان قائد الجيش أحمد قايد صالح.

ووصف أندرو لوبوفيتش، الخبير في شؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، الوضع بأنه "بداية عملية سياسية غير واضحة"، مع الخشية من بقاء مثول شبح "عنف الدولة القمعية" مخيماً على السودان والجزائر.

وبحسب آمي هاوثورن، الباحثة في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، فإن "هناك مخاوف مشروعة من أن يتحرك العسكر لزرع الانقسام، ثم استخدام العنف لقمع التحركات الشعبية التي أدت إلى حصول هذه التطورات المهمة".

ونقلت الصحيفة آراء محللين عدة دعوا المجتمع الدولي لـ"تشجيع السلطات الموجودة اليوم في كل من السودان والجزائر على الإنصات لكلمة الشعب والاعتراف بأن الحقيقة هي أن المشاكل التي واجهها هذان البلدان لن تتبخر مع رحيل وجوه سياسية معينة".

"ذا إيكونوميست": من التالي؟

بدورها، حيّت مجلة "ذا إيكونوميست" شجاعة الحراك الشعبي في السودان، لكنها رأت في الوقت ذاته، أنه "وسط كل الفرح، ليس واضحاً إذا كان ذلك انقلابا عسكريا آخر (مقارنة بمصر)، سيقود إلى استلام جنرال آخر للسلطة، أم أنها ثورة ستجعل المدنيين يمسكون بزمام الأمور".


ما هو واضح بالنسبة للمجلة، هو أن سقوط البشير، يشكل "آخر حلقة في موجة التغيير التي أطاحت بزعماء حكموا طويلاً في شمال أفريقيا. إنها، بالنسبة لـ"إيكونوميست"، "نهاية الديناصورات"، مع "دينامية متصاعدة لقوة الشعب".

وكتبت المجلة: "الأحداث في السودان ستكون محل مراقبة بتوتر من قبل زعماء عرب وأفارقة آخرين، يخشون موجة ثانية من الربيع العربي الذي أطاح بعدد منهم في 2011. بعد استقالة بوتفليقة، كثيرون يتساءلون: من التالي؟".

دلالات